محمود درويش شاعر الانسانية انصف الكورد وقضيته ايضا

عماد علي

التاريخ شاهد عادل على المواقف بجانبيها الايجابي و السلبي، و في مقدمة ما يبقى لاصحاب اي عمل هو مدى قدرته على خدمة الانسانية و التقدم البشري من كافة النواحي السياسية و الثقافية و الاقتصادية والاجتماعية و اتخاذ المواقف الصحيحة بعقلية متفتحة . غير قليلين من ابدعوا و على الجميع ان يتذكرهم و يجب ان يُذكروا على الدوام و هم خالدون و ان وروا الثرى، النخبة المثقفة في الصف الذي يمكنهم ان يؤثروا وان يبدوا ارائا مؤثرة على الواقع في زمانهم ، و يُنظر الى كلامهم و اعمالهم على انه الحاسم في بيان التعبير الصحيح الحقيقي في القضايا او ما يمس الانسان ، و هناك من يمكن ان يكتب ارائه و مواقفه بذهب ليتعلم منه الاجيال و يتعضوا و يستفيدوا في دنياهم، ومن بينهم الشاعر الانساني محمود درويش .
كلنا على علم بان هناك قضيتان انسانيتان رئيستان قبل ان يكونتا اي شيء في الشرق الاوسط، هما قضيتا فلسطين و كوردستان ، و هما تتشابهان في كثير من الاوجه، و هما قضيتا شعبين اللذين اغتصب ارضيهما و ظلما طوال التاريخ وكانتا ضحية الصراعات و المصالح الدولية و غير واقعهما دون ان يؤخذ رايهما ، ولم يفدهما اي كان الا ابناء جلدتهما و برز من هذين الشعبين المضحيين مبدعين كبار والجهابذة الخيرين من العلماء والادباء والشعراء و المثقفين بشكل عام، و لكون قضيتهما ذات خصوصية انسانية فتخرج من رحم معاناتهما مجموعة كبيرة من الشعراء والادباء والعلماء، و منهم من يشهد له القاصي و الداني ، وعلى راسهم محمود درويش الذي ابدع منذ نعومة اظفاره و نظر الى الحياة من خلال روحه الانسانية الطيبة المؤمنة بالحقوق الانسانية بعيدا عن التحيز و الحقد والتعصب الايديولوجي، و تغنى لشعبه و الشعوب المغدورة الاخرى من خلال نظرته الانسانية و تلهف الى اظهار مواقفه بعيدا عن اي اعتبار لمصالحه الشخصية و كان لمواقفه السياسية و الثقافية اثر كبير على الجميع وبمختلف القوميات و الافكار و الاراء، حقا ان روحه النظيفة و ألهامه الباهر فرضت عليه ان ينصف الكل بارائه و مواقفه ، و لم يأبه بما يحول بينه و بين السلطات ،و ربما غدر به بعض السلطات المتنفذة من جراء انتقاء اشعاره وابعاد بعض منها عن عيني القاريء.

عاش في وقت عصيب و راى ما جرى في المنطقة ، و ناضل بعقله وانامله و قلمه و افكاره من اجل الحرية،و الحكومات الدكتاتورية المتفردة بالحكم ظلموه و جنوا على اشعاره عندما لم ينصفوا في بيان اشعاره و تضليل مضامينها و لم يعدلوا في بيان ارائه و حتى دواوينه لم تسلم من مقص و ابعاد اشعار حسب ما اشتهت الحكومات المتسلطة و المتعصبة، و كانت رصانة احساسه جلية لنا و جمال تعابيره و احسانه و اختياراته المواضيع لا يضاهيه احد في التعبير و الدقة ، انه شاعر الحب و الحرية و اانسانية، شاعر المواقف و الانصاف بحق الجميع.
مَن مِن الكورد لم يتذكر انصاف هذا الشاعر العظيم في شعره تجاههم وبيان مواقفه و ارائه ازائهم:

يا شهرزاد الليل يفترس الصباح
و حقول كردستان موسمها جراح
الحب ممنوع و همس الجار..........لاشيء مباح
الا دم الاكراد......نفط الموقدين
مصباح عارهم بموت الاخرين

ان للشاعر الانسانية الكبير درويش دَين كبير على اعناق الكورد من خلال قصيدته ( معكم) و الذي ندد بالعدوان الظالم على الشعب الكوردي في العراق، و كان ينتقد حزب البعث عندما اشعل حربه ضد الكورد منذ عام 1963.

يا شهرزاد
الليل يفترس الصباح و الحب ممنوع و مخدعك الوثير
ملقى على اقدام سيدك الحقير
و دماء كردستان تغرق سافحيها
و اللعب المامون بالثيران سوف يموت فيها

انه الشاعر الذي لفظ كلمة كوردستان و حتى اليوم لم ينطقها القوميين الشوفينيين المتعصبين، بيًن موقفه في الوقت الذي شاركت اكثرية الحكومات العربية الحزب البعث الظالم في ظلمه و غدره للكورد و لم ينبسوا ببنت شفة تجاه مآسيه و ويلاته من حملات الانفال و القصف الكيميائي، نطق الحق و هو شاعر مبدئي حساس و الحكومات العربية المتنفذة المتسلطة انكروا ما حل بالكورد و كوردستان ، انه احساس شاعر بكل مافيه من رهافته و ايمانه المبدئي بالتساوي و حق الجميع في العيش بسلام و هو شاعر يعبد الانسان و يموت من اجل الحق، يقول:
 

هل خر مهدك يا صلاح الدين
هل هوت البيارق
هل صار سيفك.......صار مارق
في ارض كردستان حيث الرعب يسهر و الحرائق
الموت للعمال ان قالوا (( لنا نحن العذاب))
الموت للزراع ان قالوا ((لنا نور الكتاب))
الموت للاكراد ان قالوا ((لنا حق التنفس و الحياة))

نعم انه شعر و من صميم قلبه،و وصف ما حل بالكورد و كوردستان حيث الرعب و الحرائق و حتى سرقة حق التنفس و العيش، و وفىٌ لمُحرر القدس و شعر كأنه الكوردي المزارع العامل الكادح، و ترجم ما في اعماقه من الحب للانسانية بعيدا عن ما جلبته الايديولوجيات، و المتاجرين بالشعارات و بالقضايا المصيرية للشعوب، كره الظلم ولو كان على ايدي اخوته ضد اي عدو له و لقضيته ايضا و احب الحق و ترجل و وقف شامخا امام المغريات و ملذات الحياة ، ونكر ما يحدث باسم العروبة و قال:

وهل نقول بعد الان تحيا العروبة
مري في ارض كردستان مري يا عروبة
هذا حصاد الصيف ها تبصرين
لن تبصري ان كنت من ثقب المدافعين تنظرين
بعث لمزبلة الزمان اخس ما عرف الزمان من الرفاة
باسم العروبة يطعن التاريخ في شيطان دجلة و الفرات

و آخر ما ابدع فيه هو قصيدة كردستان بين ما يربط القضيتين بالرابط الوثيق و التلازم بين قضايا الشعوب المغدورة و المضطهدة، و بيًن في هذه القصيدة مدى تشابه القضيتين و اوضح بشكل مبدع و رهيف مستوى مساندة الشعب الفلسطيني و الكردي لبعضهما و مشاركة الشعب الفلسطيني لمحنة الكورد قائلا:

معكم قلوب الناس لولا طارت قذائف في الجبال
معكم عيون الناس فوق الشوك تمشي لا تبال
معكم عبيد الارض من خضر المحيط الى الشمال
معكم انا معكم ابي و اخي و زيتوني و عطر البرتقال
معكم عواطفنا قصائدنا جنود في القتال
يا حارسين الشمس من احقاد اشباه الرجال
ما فرقنا الريح ان نضال امتكم نضالي
ان خر منكم فارس شدت على عنقي حبالي

و صف الدرويش الواقع دون ان يزوره ، قيًم الوضع و احسه، و احس الحياة باجمل احساس و هو تمنى ما يجب ان يكون و عبًر بما جال في نفسه، و عبًر عن موقفه و دافع عن الكورد بعين الانسان و الانسانية و صاحب القضية، حاول ابعاد كل التراكمات و الموروثات التعصبية من عقل بني جيله و صاح بما يجب ان يصرخ به و ما تكون عليه الانسانية، انه الكبير العظيم المبدع انه حقا انصف ضميره و الكورد بما يستحق و تبقى كوردستان وفية له.
لابد ان يفتخر العالم باجمعه بشاعر كان دائما يحس بالاخر و ليس في ذهنه ما يريده لنفسه دون الاخر، انه درويش كما احس بما عليه الكون و كانه عاش كل يوم في كوكب و عاش في كل دقيقة في قرية من ركن مهمش من بقاع العالم ،انه قمة الانسانية و اتصف حقا بالشفافية و الايمان بالتحاور مع الاخر و عدم الغاء الغير، و بموته خسره العالم و الانسانية اجمع و فقده الحب و الحياة و العدالة الجتماعية.

الحوار المتمدن
العدد: 2377 - 2008 / 8 / 18

 

 

 

 

(محمود).. لا تأخذ اللغة وتذهب

محمد حداد
(البحرين)

محمد حداديفتح قلبه للريح والأسئلة، ويتركنا في المقصلة ويذهب.. يترك الحصار وحيداً ويذهب.. ينكس أعلام ما بقي من بلادنا ويذهب.. شخص وضع الكلمة في الأسر كي يحررنا من صمتنا القديم، ونحن نصغي.. أوصانا بالبرتقال، بالرصاص والأرغفة، وتمادى في مديح الظل لعلنا نفهم، ونحن نصغي.. أسس للكتب لغة تطيش فيها رصاصات الحرف معلنة أنها الحرب.. لم يغسل دمه من خبز أعدائه كي لا نغفل نحن عن الطريق، يسجّل عروبتنا بين العواصم ويذهب.. ونحن مازلنا في الإصغاء... يسقط بسهولة القميص، مثل نجم تعب من الأفق، فقرر الرحيل بصمت. يذهب، ويترك اللغة وحيدة، والثقافة تنتظر عاصمة مؤجلة، والدفاتر مفتوحة على الصفحة العذراء.. يترك حبرنا مسكوباً على طاولته في انتظار قصيدة أخرى.. قصيدة تسعف اللغة، وتبتكر للقواميس مراياً مغايرة، يذهب بقلبه المفتوح الى مكان لا تطاله الحرب، ولا تسمع فيه خطابات السلام. فهو لا يؤمن بخريطة لطريقه المؤثث بالسفرجل وزيتون الغياب والقتل الكثير، فطريقه حرير منسل من جيب (البروة) وحتى (أحي هود).

ذهب الى الأغنية ليلبسها ثوباً لايليق إلا بالملكات، فأغرى أكثر الملحنين رزانة بكلماته المأخوذة بالموسيقى والنضال، فأصبحت قصيدته أنشودة للموتى والأحرار، للأم والفراشة، للمنفى والوطن.. غنته أكثر الأصوات التزاماً، وليس هناك بيت مريض بالصحوة لا يعرف شعره.. أثث رفوف مكتبتنا بشعره ونثره، ولم يخلو بيت من شريط كتب عليه بخط اليد (وعود من العاصفة)، شريط نسمعه في الظلمة ونتبادله في السر ونحفظه عن ظهر قلب.. تقاسم مع الثوار فن الكلام، فتراه حاضراً في خطاباتهم ونشيدهم ورسائلهم للحبيبات، فكلما فتك الحب والغياب بزنزانة، تراه يمد كلماته ليشعل فيها نارتين.. نارة للصمود، ونارة لوحشة القلب.. أشعل بأشعاره ظلمة الحبس والإختباء، وأدفأ برد المخيمات ووسائد العذارى وأجمل الأمهات في انتظارها.

يذهب.. فتترمل اللغة والثورة معاً، وتدخل الأغنية الكونية في اليتم المبكر، فما إن يقف المغنون دقيقة حداد على ذهابه المستحيل.. لا يجرؤ أحد منهم على الجلوس مرة أخرى، خوفاً من سؤال اللحن المرتبك والمخنوق بين حناجرهم.. ماذا بقي لهم بعد غياب الكلمة ؟ بعد انطفاء الجمرة في شتاء لا ينتهي، ماذا بقي للمواقد غير رماد الذاكرة ؟ بعد انتهاء النبيذ القديم من الأقبية الحكيمة، ماذا بقي للكأس غير السكرة الأولى والغصة الساهرة؟

تقمص أكثر الرموز وضوحاً، فرأى في (أحمد) زعتراً يمسح به على جرحنا فيطيب لنا النحيب، وملحمة تفضح صمودنا المزعوم، وأرصفة تتقاذفنا مثل كواكب لا يسقط على أرضها تفاح الإكتشافات.. ورأى في (محمد) درة لا يسعها ميزان، ودماً زاد عن حاجة الأنبياء، ودرساً أخيراً لم يحضره أحد، ورأى في (عبد الله) حواراً للجلادين، وموالاً يتحدى كل السيوف الخشبية، ومليون قتيل.. وكانت (ريتا) قندة مغموسة في نبيذ محرّم.. فيما تظل (جفرا) ظلاً لأنوثة الثورة البكر.. مطاردٌ مثل يوسفٍ، حاملاً قمصانه المقدودة من كل صوب، وفي أخوته شرٌ لا ذئب يطيقه ولا يسعه جب.

شخص يرى الأشياء بذائقة مختلفة، يسكن حقائب السفر، ويخاف من القمر، يعرف عازف الجيتار الذي يأتي عارياً، ويشم الدم في أوتاره، يحرس الشهداء من هواة الرثاء، ويرثي نفسه في حضرة الغياب.. يسرد الآلام كمن يرى الى الموت وتفاصيله، يستفزه وهو في سرير الشرايين، يعلق حبه على الصليب، فيبقى ضريحه رموش الرياح، له من الكبرياء ما يجعله لا ينحنى، ففي انحناءته ينحني تلٌ وتضيع سماء. يدّعي أنه مثلنا أو أقل قليلاً، شاهراً نرده في وجوهنا كي نصدق أن الخطأ احتمال جميل، يقامر بالكلمات ليمنحنا الفوز القصير، علّنا ننسى هزيمتنا الطويلة. يهذي بين العواصم منادياً الحبيبة حيناً والوطن أحيانا، صارخاً في وجه قاتله، ورافضاً الهوية الملفقة، طاردته جوازات السفر وأختامها، فلم يجد جنسية تليق بقلقه الصارخ غير قلوب الناس..

كنز نخفيه في رمالنا ونمزق الخريطة. ذهب بعد أن ترك لنا ذخيرة من اللغة المحتقنة بالغضب والحب، ذخيرة سيلعب بها أحفادنا دون أن يفقهوا، فتتفجر بينهم الدلالات ويطفر الرمز.. ونحن لا نحسن إلا الإصغاء.

 

 

 

 

 

كان أجمل ما في فلسطين والفلسطينيين والعرب واللغة العربية

أحمد الشافعي

تقدم الإعلامية الأمريكية آيمي جودمان برنامج "الديمقراطية الآن"، وهو برنامج تليفزيوني إذاعي يُبَثُّ عبر قرابة سبعمائة قناة تليفزيونية ومحطة إذاعية. وقد استضافت آيمي جودمان في برنامجها هذا كلا من الشاعر الأمريكي عراقي الأصل سنان أنطون، والشاعر الأمريكي فلسطيني الأصل فادي جودة، وكلاهما من مترجمي شعر محمود درويش إلى الإنجليزية، للحديث عن الشعر وعلاقتهما به.

كان أجمل ما في فلسطين والفلسطينيين والعالم العربي واللغة العربية

آيمي جودمان: استمعتم الآن إلى شعر محمود درويش. تم إعلان الحداد ثلاثة أيام في الضفة الغربية وقطاع غزة بمناسة وفاة شاعر شعراء الفلسطينيين محمود درويش، الذي كان يعد أحد أهم الشعراء العرب، والذي توفي عن سبعة وستين عاما في مستشفى ميموريال هيرمن بسبب مضاعفات إثر عملية جراحية.
أقيمت مراسم تذكارية بسيطة في هيوستن يوم الأحد، ومن المتوقع أن يتوافد عشرات الآلاف للمشاركة في الجنازة الرسمية التي سوف تقام يوم الثلاثاء في مدينة رام الله بالضفة الغربية.

يمثل محمود درويش شخصية أدبية سامقة على مدار ما يربو على أربعة عقود، شعره معروف في شتى أنحاء العالم العربي، يحبه أناس من مختلف المشارب.

ولد درويش في الثالث عشر من مارس عام 1942 في قرية بيروي في فلسطين. حينما كان في السادسة من عمره، احتل الجيش الإسرائيلي القرية ثم دمرها بجانب أكثر من أربعمائة قرية فلسطينية. فرت أسرته إلى لبنان ثم عادة بصورة غير شرعية إلى ديار الأسد المجاورة.

صار درويش وأفراد أسرته لاجئين داخليا يعيشون في ظل الحكم العسكري الإسرائيلي ومصنفون قانونيا بوصفها "غرباء حاضرين غائبين". وعندما غادر درويش البلد في عام 1970، كان قد اعتقل عدة مرات بتهمة إلقاء الشعر والتنقل من قرية إلى قرية بدون تصريح. عاش في المنفى حتى عام 1996 الذي سمح لع فيع بالعودة لزيارة أمه.
ظل محمود درويش أغلب سنوات حياته ناشطا سياسيا، وكان غالبا ما يسمى بـ "شاعر المقاومة". كان عضوا في الحزب الشيوعي الإسرائيلي في الستينيات [من القرن العشرين] ثم انضم إلى منظمة التحرير الفلسطينية، التي ظل عضوا في لجنتها التنفيذية حتى استقالته في عام 1993 على خلفية اتفاقات أوسلو للسلام.
كتب درويش أكثر من ثلاثين كتابا شعريا ونثريا، وترجم إلى خمس وثلاثين لغة. أصدر ديوانه الأول "عصافير بلا أجنحة" وهو في سن التاسعة عشرة. فاز بعدد من الجوائز في حياته، من بينها جائزة لينين للسلام عام 1983 وجائزة مؤسسة لينان للحرية الثقافية عام 2001.

معي الآن شاعران ترجما بعض أعمال محمود درويش [إلى الإنجليزية]، فمرحبا بكما في "الديمقراطية الآن". معنا في الاستوديو الخاص بنا في نيويورك سنان أنطون وهو شاعر وروائي ومترجم وسينمائي عراقي، وهو أيضا أستاذ للأدب العربي في جامعة نيويورك. صدر أحدث دواوينه باللغة الإنجليزية بعنوان "أغنيات بغداد الحزينة"، أهلا بك في الديمقراطية الآن.

سنان أنطون: سعيد بوجودي هنا
آيمي جودمان: كلمنا عن أهمية محمود درويش.
سنان أنطون: من الصعب للغاية في حقيقة الأمر أن نحيط بأهمية محمود درويش، إذ ثمة مستويات كثيرة، منها ما ذكرتيه أنت وهو المستوى الفلسطيني، ومنها أيضا كونه أيقونة ثقافية، ومنها أنه أيضا واحدا من آخر شعراء العالم العظماء، وذلك لأنه وإن بدأ مسيرته الشعرية كشاعر للمقاومة ـ كما كان يقال عنه ـ إلا أنه كان عبقريا في تجاوز نفسه، كما كان، من قبل ومن بعد، عبقريا في الخروج بالمأساة الفلسطينية إلى المستوى العالمي، وفي الصعود بنفسه من مستوى الشاعر العربي العظيم، الشهير على الصعيد المحلي، إلى مستوى الشاعر العالمي الذي استطاع أيضا أن يرتقي بالذائقة الشعرية العربية في العالم العربي وأن يحقق توازنا بين الذاتي والسياسي، فيصبح شاعرا سياسيا بالغ الأهمية، وأن يطور من شعره في السنوات العشر أو الخمس عشرة الأخيرة تطويرا كبيرا، في الوقت الذي كان غيره يعانون من أجل كتابة أي شيء جديد.

آيمي جودمان: كيف تعرفت به؟
سنان أنطون: شعر درويش كالخبز. ومن هنا كانت [وفاته] صدمة للكثيرين منا، فقد كان وجوده بالنسبة لنا من قبيل المسلمات. لقد نشأت في العراق، وهناك كنا نقرأ شعره في الكتب المدرسية، ولكنه أيضا كان يأتي إلى كثير من المهرجانات الثقافية في العراق. فكان أي شخص مهتم بالشعر ـ والشعر بالمناسبة هو القالب الأدبي الأساسي في الثقافة هناك ـ لا يملك مهربا من التعرف على محمود درويش والوقوع في هوى شعره، لا سيما في منتصف الثمانينيات عندما ارتقى إلى مستوى جديد، فلم يعد مجرد شاعر المقاومة وشاعر فلسطين. وينبغي أن أقول إن كثيرا من التابينات لا سيما المكتوبة بالإنجليزية قلصت درويش إلى كونه شاعر الشعب الفلسطيني، وقد كان كذلك طبعا، ولكنه كان أكثر من ذلك بكثير أيضا.

آيمي جودمان: هل التقيت به شخصيا؟ متى التقيت به شخصيا؟
سنان أنطون: كان من حسن حظي أن قابلته مرتين: في فيلادلفيا عندما جاء ليتلقى جائزة لينان، وفي القاهرة في عام 2003 عندما أتاها من رام الله ليلقي شعره فيها، فكان من حسن حظي أن التقيت به في لقاء جمعه ببعض مترجميه.

آيمي جودمان: أود أن أنتقل إلى هيوستن، التي مات فيها محمود درويش، حيث يوجد معنا فادي جودة وهو شاعر وطبيب ومترجم فلسطيني أمريكي. أنت تعمل في المستشفى التي توفي فيها محمود درويش؟
فادي جودة: لا، تدربت هناك. ولكنني لا أعمل فيها، أي المستشفى، الآن.
آيمي جودمان: هل تكلمنا عن أهمية درويش والطريقة التي تعرفت بها إليه؟
فادي جودة: في ظني أن محمود درويش ربما يكون أجمل وجه من أوجه فلسطين والفلسطينيين والعالم العربي واللغة العربية في اللحظة المعاصرة. واحتواء دؤويش على كل هذا الجمال هو الذي يجعله بالقطع، وكما ذكر سنان، يتجاوز المحلي والإقليمي إلى العالمي والإنساني. كان إنسانا خجولا إلى أبعد الحدود، يتوافد الناس عليه، وكان أيضا عذبا وسخيا.

آيمي جودمان: قمت بترجمة كتاب لدرويش بعنوان "حمل الفراشة"، هل يمكن أن تكلمنا عن هذا؟
فادي جودة: محمود درويش شاعر حاول طوال الوقت أن يجدد نفسه. تعرفين أن كثيرا من الشعراء المتحققين يعانون من الركود في سنواتهم الأخيرة، يثبتون على آخر أساليبهم على حد تعبير أدورنو Adorno أو إدوارد سعيد، ولكن درويش لم يكن يؤمن بهذا، بل بميلاد دائم متجدد، وكانت أعماله الأحدث دوما أحب إليه. وقد أردت، حينما بدأت الاتصال به، ألا أركز على ما يحلو للعرب في العالم العربي وخارج العالم العربي أن يركزوا عليه في أعماله، أي القصائد الملحمية المكتوبة في التسعينيات والثمانينيات وحتى قبل ذلك. وكان دائما ما يريد أن يصطحب القارئ إلى الأعمال الأحدث، إلى أعلى ما وصل إليه باللغة والجماليات.

وقد ركزت على أحدث أعماله، فجمعت ثلاثة كتب في كتاب، الأول هو سرير الغريبة، وهو ديوان قصائد حب، تتضمن حوارا بين الأنا والأنا المؤنثة، وفي هذا الكتاب تندمج الكثير من التقاليد الأدبية الراسخة الخاصة بقصيدة الحب وتتطور إلى شكل معاصر وحديث. وهناك أيضا كتاب "حالة حصار" وهو عبارة عن قصيدة غنائية طويلة يسجل فيها الشاعر دمار رام الله في الأيام الأولى للانتفاضة الثانية، وأخيرا هناك كتاب جميل أعتبره شخصيا علامة فتح جديد في حساسيته الشعرية وهو "لا تعتذر عما فعلت".

وقد أردت أن أفعل ذلك من ناحية لأن من أهم سمات درويش المبهرة هي مقدرته على تغيير لغته. لقد صدر سرير الغريبة عام 1998، ولا تعتذر عما فعلت عام 2003، ولو أن القارئ تأمل آخر قصيدة في الديوان الأول، وأول قصيدة في الأخير، لتبين له أن ثمة تغيرا في اللغة ينحو تجاه المستوى الحواري بل واللغة اليومية ويبقى كما قال لي حافلا بغنائية عالية واستعارات معقدة. وكان ذلك ما أحببته وأحبه الكثيرون فيه، أعني مقدرته على تجديد كتابته. وقد أردت أن أنقل هذا إلى الإنجليزية.

يؤسفني أن أقول إن درويش تأخر في الوصول إلى اللغة الإنجليزية. لقد لقي احتفاء في العالم كله، ولكني أعتقد، أقصد أنني أتمنى لو كان وجد تلقيا واحتفاء في الإنجليزية، منذ وصوله إلى مستوى الشعراء العالميين في أواسط الثمانينيات وبداية التسعينيات، لا أعرف إن كان مكمن هذه المشكلة هو عدم توفر المترجم المناسب. ربما. ولكنني لا أظن أن ذلك كان السبب الوحيد. ولا أعرف على وجه الدقة ما الأسباب الأخرى.
آيمي جودمان: فادي جودة، هل يمكن أن تلقي علينا قصيدته الأخيرة، قصيدته الختامية، التي تقوم بترجمتها الآن؟
فادي جودة: لا، للأسف. لا أستطيع. فهي قصيدة قد تحتاج عشرين دقيقة. هي قصيدة ملحمية عنوانها "لاعب النرد".
اتصل بي محمود درويش منذ ثلاثة أشهر، وأخبرني بتدهور حالته الصحية، وبعد شهر، عرفت أو قرأت أو سمعت أنه ألقى القصيدة في رام الله، وحينما قرأتها، علمت يقينا أنه كان يراهن، أو أنه كان يلقي النرد على احتمال أن تكون هذه هي قصيدته الأخيرة. وقد طلب مني أن أترجمها.
يمكنني أن أقول لكم إنها تبدأ بقوله "من أنا لأقول لكم ما أقول لكم؟" و"من أنا" في قصائد درويش السابقة كانت لها دائما نبرة تفوق نبرة السؤال الموجه بالفعل إلى الذات. ولكن "من أنا؟" في هذه القصيدة في ظني تكتسب نبرة مختلفة، نبرة تواضع وانسحاب، وذلك لأنه في المقطع الأخير يكررها قائلا "من أنا لأخيب ظن العدم؟ من أنا؟ من أنا؟"
آيمي جودمان: فادي جودة، أنت مقيم في هيوستن. وأنت طبيب فيها. وأنت شاعر. وأول المراسم التذكارية، أول جنازة، أقيمت له كانت هناك، قبل جنازة رام الله. هل يمكنك أن تكلمنا عما جرى عندك، وعن كيفية موت محمود درويش؟

فادي جودة: حسن، خضع محمود درويش لجراحة شريانية كبيرة وضرورية، وهي جراحة تنطوي على قدر كبير من الخطورة. ولكن درويش كان رجلا شجاعا وكان يحب أن يعيش محتفظا بكرامته محافظا عليها، وقد رأى أنه لا يريد أن يعيش وشبح الموت الفجائي يخيم على حياته، وقرر أن يسير وراء الأمل في أن تكون له حياة جديدة، أو فرصة جديدة في الحياة، فخضع لإجراء هذه الجراحة الكبيرة، وهو يعلم علم اليقين أن أي خطأ يحدث لن يجعله درويش الذي يعرفه. وأنا أعرف يقينا، وأعرف لأنه قال لي هذا بصفة شخصية، قال إنه إذا حدث خطأ في الجراحة، وهي جراحة كما سبق وقلت تنطوي على مخاطرة عالية، فإنه لا يريد أن يخرج منها سليما. وأتصور أن جسده بطريقة ما قد استجاب لإرادته. إنه رجل مليء بالكرامة، كما سبق وقلت، وما كان ليود أن يعيش بنصف الرجل الذي كانه من قبل أو حتى بثلاثة أرباعه.

أقيمت صلاة الجنازة في المسجد الكبير بهيوستن، وحضرها حوالي مائتا شخص. ثم، في مساء ذلك اليوم، أقيمت أمسية تذكارية حيث حضر الكثيرون، وتكلم الكثيرون. وشارك أيضا ممثل للسلطة الفلسطينية، إذ جاء رفيق الحسيني لأن كثيرا من مسئولي السلطة الفلسطينية كانوا قد أتوا لمصاحبة الجثمان في رحلة عودته إلى عمان بالأردن.
كانت أمسية حضرها مزيج غريب من أناس عرفهم درويش، وعرفوه، وإن كان أغلبهم لم يعرف كيف كان درويش يحب قهوته، أو كيف كان يحب حليبه، أو كيف كان ينام، أو كيف كان يستيقظ. كان درويش بالنسبة لنا شخصا أكبر من الحياة، وأظن لأن الفرصة لم تتح للكثيرين منا أن يعرفوه إلا من خلال شعره أو من خلال صورته العامة، أظننا لهذا نسينا أنه كان إنسانا، يستيقظ من النوم، ويحلق لحيته، ويستحم ويذهب إلى الحمام، ويماس كل هذه اليوميات البسيطة.
وأحسب أن من الصعوبة بمكان أن نركز على محمود درويش كإنسان لا كأسطورة أو كشخصية عاشت ـ كما قال في إحدى قصائده صادقا وساخرا ـ كما لم يعش شاعر من قبل، حكيما وملكا عاش درويش. ويا له من إنجاز خارق، أن يعلم المرء في حياته أنه حقق الخلود من خلال فنه. والفنون كما يقول درويش هزمت الموت. وهو يعرف أن فنه هو قد هزم الموت.

آمي جودمان: سنان أنطون: هل يمكن أن تكلمنا عن تطور أعمال درويش وتأثيره داخل العالم العربي وخارجه؟ أعرف أيضا أنه كان متحققا جيدا في العبرية
سنان أنطون: سبق أن قلت إن درويش بدأ داخل ما نسميه بشعر المقاومة، في وقت كانت فيه هوية الفلسطينيين تتعرض للمحو لو أننا نتذكر قول جولدا مائير "لا وجود للفلسطينيين". فكان رد محمود درويش "أنا عربي" أو "سجل أنا عربي، أنا موجود". كما أنه على مستوى حياته الشخصية كان تلخيصا للمأساة الفلسطينية، فقد اعتقل، وقريته دمرت، ثم صار شريدا طوال الوقت. وبحلول الوقت الذي سافر فيه إلى الاتحاد السوفييتي ثم القاهرة، كان قد حقق شهرة كبيرة.

ولكن كثيرا من شعراء المقاومة كانوا مشهورين في ذلك الوقت، وقد استمروا في الكتابة بنفس الروح، ولكن محمود هو الذي تطور وتغير. وهنا عامل مهم يتمثل في أن درويش كان قارئا شرها، وكان منفتحا على كل آداب العالم. أعني أنه هو نفسه كان يقول إن كل شاعر يحتوي بداخله آلاف الشعراء. وهو كان يحتوي العديدين، فقد كان على اطلاع واسع بالتراث العربي، كما كان على اطلاع بتراث العالم. ويمكن أن نرى في شعره أنه حاول أن ينسج الحكاية الفلسطينية بمآس شعوب أخرى، ومنهم سكان أمريكا الأصليون مثلا. ويمكنني أن أقول إنه لو كان آرييل شارون نفسه قد اعترف أنه يحب شعر محمود درويش، فإن ذلك يعني شيئا. فلو استطاع شعر أن يخترق قلب شارون، فلا بد أنه شعر بالغ القوة.

ولكنني أود أن أضيف أنه كان ناثرا عظيما أيضا بل واحدا من أعظم الناثرين لدينا. وذلك ما يتجلى في كتابه شالشهير "ذاكرة النسيان" وهو يحكي يوميات الخروج من بيروت. وهو علاوة على ذلك كاتب مقال من طراز عظيم.

  • تضمن اللقاء إذاعة فقرات أرشيفية من حلقة مسجلة في عام 2007 مع الموسيقار مارسيل خليفة، وفقرة بصوت محمود درويش في حوار له مع صحفي إسرائيلي ضمن فيلم للمخرج الفرنسي جان لوك جودار أنتج عام 2004 بعنوان "موسيقانا أو Notre Musique".
  • فادي جودة: شاعر ومترجم وطبيب أمريكي فلسطيني مقيم في هيوستن. حصل ديوانه الأول "كوب الأرض في العلية" على جائزة سلسلة جامعة ييل للشعراء الشبان، وهي أهم جائزة من نوعها في الولايات المتحدة. ترجم إلى ألإنجليزية مختارات من أحدث محمود درويش بعنوان "حمل الفراشة".
  • نان أنطون: شاعر وروائي ومترجم وسينمائي عراقي. يقوم بتدريس الأدب العربي في جامعة نيويورك. ترجم إلى الإنجليزية أعمالا لدرويش من بينها في عام 2003 "لقد كانت الجنة للأسف".

Posted by Ahmed Shafie at

18 أغسطس، 2008

 

 

 

 

 

عن محمود درويش: شيء من السياسة!

طلال سلمان

كلما هممت بالكتابة أو بالحديث عن محمود درويش، أتخيله يطل من عليائه على دنيانا، وقد تخفّف من أعباء المجاملة واللياقة وضرورة أن يتصرف، وهو الكبير، بترفع، فيأخذني التهيب وأرجئ الامر الى لقاء مغلق فأصارحه متوقعاً أن تذوب كلماتي في ثنايا ابتسامة السخرية التي تغطي كامل وجهه وتجعل عينيه أشبه بعيني ثعلب أتعب المكر الطفولي وما تعب، بل ظل متحفزاً لهجوم جديد قد يأتيه من حيث لا يتوقع... فإن لم يأت بادر هو الى الهجوم استباقاً.

الأخطر من محمود درويش، شاعر عصرنا، هو محمود درويش ما قبل الشعر وما بعده: العقل المفتوح على الثقافة الإنسانية، الوجدان اليقظ المتنبه الى موقع العدالة في التصرف وفي القول، من داخل إيمانه بأنه صاحب قضية... بل لعل يقظته الوجدانية قد دفعت به في حالات كثيرة الى اختراق الحدود المحرمة للكلام في المحظور، وجعلته يمشي على الجمر وهو يدرك أن من خلفه قد يرمي عليه حرم الخيانة، في حين أن من أمامه لن يستقبل دعوته بما تستحق من حفاوة منهكة للعقل ومدمرة لاستقراره في قلب أوهامه المحروسة جيداً... بالسلاح النووي.

وعلى امتداد ست وثلاثين سنة من الصداقة تعرفت الى بعض شخصيات محمود درويش، وهي عديدة ومتعددة بحيث انني لا أجرؤ على الادعاء انني قد عرفت »كل« محمود درويش...
مع كل ديوان جديد كنت أكتشف جديداً في محمود درويش، فإذا ما التقينا وتوغلنا في النقاش كنت أتيقن من أن رحلة محمود درويش نحو الاكتمال مستمرة ومتواصلة، تحاول اختراق الصعب في اللغة وفي المعنى، في الفكر السياسي كما في الوجدان الإنساني، وتلامس المحظورات بغير تهيب، اتكاء على الواقع العربي الرسمي الذي يمنع على أية قيادة أن تتخذ لنفسها صفة القاضي أو الكاتب بالعدل.

ومن أسف فإن صعود محمود درويش نحو ذروة التحدي في تناول الأبعاد الفكرية ـ السياسية للقضية التي حولها التخلي أو العجز أو الأمران معاً الى مشكلة، قد تزامن مع هبوط كارثي في مستوى القيادات وبالتالي في مستوى الصراع السياسي الذي كان مقدّراً له أن يستولد الفجر الجديد فإذا به يعجل في إفراغ الصراع من مضمونه الإنساني العظيم، كقضية تتصل بمستقبل شعب وأمة بل انها تتصل بالمستقبل الإنساني جميعا، الى مسألة نزاع حدودي ونقاش بيزنطي حول الادعاءات التاريخية لأهل الأسطورة والحقوق الطبيعية لأهل الأرض.
ولان محمود درويش من أهل الأرض فقد كان ممتلئا بحقه فيها، وإن كان هذا الامتلاء بحقه لم يمنعه من أن يتجاوز »العدو« في الإنسان الآخر الذي جاء يدّعي سبقه فيحاول محاورته، مع وعيه المسبق بخطورة هذه المحاولة، سياسياً واجتماعياً وحتى على المستوى الفكري.

فمحمود درويش، في نهاية المطاف، فرد، في حين أن »محاوره« مؤسسة دولية عاتية، بإمكانات غير محدودة، فكرياً وسياسياً ومادياً، وبتاريخ حافل بالتجارب والمحاورات والصفقات الدولية، التي احتلت بخطورتها جانبا عظيماً من الاهتمامات والمشاغل الدولية على امتداد نصف قرن أو يزيد تمهيداً وإعداداً وتحضيراً، ثم احتلت نصفه الآخر في تأكيد منعتها في مواجهة ذلك الحشد العربي الذي يفتقد أول ما يفتقد الأسباب العملية لوحدته، وبالتالي أبسط مقوّمات صموده أمام الإغراءات والضغوط، ثم أمام القوة العاتية التي يمكنها أن تقرر مصير الأرض وأهلها، بغض النظر عن موقع الحق وأصحابه.

* * *

عندما التقيت محمود درويش، لأول مرة، في القاهرة، مطلع العام ،١٩٧٢ كان حديث الخروج من جنته، مسبوقاً بشهرته الممتازة كمقاوم للاحتلال، تجلله حيثما ذهب قصائده ذات النبرة الحماسية المؤكدة للصمود، بل والى تحدي هذا »العابر« المحصن بقوة القتل.
ولعل صدمته الأولى كانت عبر هذا الاستنجاد الملح من أهل »الخارج«، مصدر الأمل بالتحرير والعودة، بهذه القصيدة التي تكتسب أهميتها أولاً وأخيراً من واقع أنها قيلت في »الداخل« وفي مواجهة من يحتل »الداخل«... وأنها وإن كانت تبشر بصمود أهل »الداخل« ورفضهم الاحتلال الإسرائيلي، فإنها لا يمكن أن تعني أن هؤلاء الأهل المعزولين في »الداخل«، والذين يعاملون كأسرى حرب، سيقدرون على مواجهة العدو وإلحاق الهزيمة به بصمودهم مجرداً... بل إنه صمود بطولي في انتظار أن يتلاقى الأهل، أي الأمة العربية، في ساحة تحرير فلسطين، حيث يمكن لمن في الداخل أن يلعبوا دورهم في الفصل الحاسم في انجاز المهمة بالاتكاء على قوة أهلهم العرب، وليس في التصدي لأعبائها التي تفوق طاقاتهم بما لا يقاس.
كان قد جاء يطلب سيفاً عربياً، ولم يكن ليتصور أن »العرب« سيطلبون منه، كلما التقاه نفر منهم، أن ينشدهم »سجل أنا عربي«.
ولقد بلغ من حدّته في رد فعله على مطالباته بأن يبدأ وينتهي بـ»سجل أنا عربي« بأن صار يهين من يطلبها حتى لو كان يعرف أن البعض كان يطلبها تكريماً لشاعرها، وتوكيداً لالتزامه بالقضية بأبسط تعبير مباشر يتصل بها.
اكتملت الفاجعة عند محمود درويش عندما عرف من قرب حركة المقاومة الفلسطينية، بقادتها الكثر، وخلافاتهم التي لا تنتهي، وعندما رأى بأم العين كيف أفسد المناخ المحيط بالمقاومة الثوار الشبان الذين جاؤوها كي يعودوا الى فلسطين وانتهوا وقوداً لحركة صراع الأنظمة مع التنظيمات المقاومة، أو أفسدهم الطموح الى السلطة في أوطان غير وطنهم وبالسلاح الذي كان منذوراً للتحرير.
وافترض أن تجربة المقاومة الفلسطينية في بيروت، وهي هائلة الغنى، تمتزج فيها البطولات بالتعثر، ويمتزج فيها الإيمان بالحق في وطن بمغريات السلطة التي تجيء الى حامل السلاح فتحرف سلاحه عن هدفه، قد عززت عند محمود درويش اقتناعه بأن »الخارج« مفسدة للفلسطيني فيه، يبعده أكثر فأكثر عن »الداخل« الذي لا بد سيتأثر بوقوعات »الخارج« فيزداد يأساً وقنوطاً.
وجد محمود درويش الثوار يفقدون ـ تدريجاً ـ وجهتهم الأصلية.
عاش قريباً منهم، محتفظاً بمسافة تمكنه من أن يرى ويعرف ويكتشف ويناقش، وينتقد ويعترض.
كان يقدّر البطولة، ولكنه يخاف من التيه،
وكان يتفهم ظروف هؤلاء المقاتلين الشبان الذين وجدوا أنفسهم يدخلون تجربة مفزعة تتمثل في أن يتحولوا الى سلطة بديلة، في وطن ليس لهم، فيبتعدوا عن طريقهم الى وطنهم، وتتبدل أولوياتهم في قلب الصراع. يوماً بعد يوم كان محمود درويش يتابع، بفزع، كيف يتحول الثوار الى ميليشيا في شوارع المدينة التي فتحت لهم قلبها، وكيف يُستدرجون ثم يقبلون بتردد، في بداية الأمر، ثم بشيء من الشهامة، نصرةً لصديق أو رفيق سلاح، بحيث يغدون طرفاً في منازعات داخلية حول السلطة، في هذه الدولة العربية أو تلك، ثم الى طرف في محور عربي مخاصم لمحور عربي آخر، والكل يتبارز بشعار فلسطين الى حد تحطيم المقدس في الشعار وفي القضية.
ولقد عانى محمود درويش تمزقاً هائلاً وهو يقارب بين ما يعرفه عن واقع »الداخل« وما بات يعرفه الآن عن »ثورة الخارج« وما شهد عليه من صراعات داخل كل معسكر، فضلاً عن الصراع الآخر المفتوح دائماً لمحاولة استنفاذ استقلالية القرار الوطني الفلسطيني... وهي محاولة كلفت العديد من قادة الثورة حياتهم، كما كلفت آخرين استقلاليتهم وقدرتهم على اتخاذ القرار... في حين اندفعت قيادات اخرى تحت لواء هذا الشعار الى حد المخاصمة التي كان لا بد أن تنعكس انقساما داخل الصفوف كثيرا ما شارف حد الاقتتال الداخلي.
لكن عبقرية محمود درويش ظلت تتجلى في الفصل القاطع بين موقفه السياسي من هذا النظام أو ذاك وبين علاقته بالبلد المعني، سواء كان مصر أو سوريا أو تونس... أما لبنان فحكاية أخرى.
القضية عظيمة، بجلال قداستها، وشرعية الحق فيها،
وهي قضية عربية، بل هي القضية العربية إذ هي تختزن أحلام أجيال من شباب العرب، في المشرق والمغرب، في التحرير والتحرر، في الوحدة والتقدم... في تحويل الأحلام التي عاش في أفيائها أجيال من المناضلين، فعملوا ما وسعتهم الطاقة، وقدموا زبدة فكرهم وعرق الزنود وصولا الى الدماء في مواجهة الاحتلال، على اختلاف جنسياته، وهم يفترضون أنهم يتقدمون في اتجاه فلسطين باعتبارها الجامع بين الوحدة والتحرر والتقدم.
ولقد تجرع محمود درويش، مثلنا، المرارات وهو يطوف في البلاد العربية فيستقبله الجمهور مغرباً ومشرقاً وكله فلسطيني بعواطفه وبعقله وباستعداده للقتال، فإذا ما دعاه أهل القصر اكتشف أنهم يخافون من فلسطين أكثر مما يخافون من إسرائيل، وربما لهذا هم يخافون من شعوبهم أكثر مما يخافون من مشروع الهيمنة الاميركية الداعم للاحتلال الاسرائيلي.
وبعض وجوه عبقرية محمود درويش انه استطاع الفصل الكامل بين علاقته الرسمية الاضطرارية بأهل النظام في الدول وأشباه الدول التي تردد اليها وبين جماهير شعره التي تكاد تكون حاصل جمع شعوب تلك الدول، رجالاً ونساء، شيوخاً وفتية، وأصحاب مواقع رسمية يتنكرون كي يسمعوه، ويرددون أشعاره حتى وهم يبلغونه ـ برفق ـ أن يخفف الوطء حتى لا يفسد لهم علاقتهم بجمهورهم... أو علاقته بهم.

* * *

بين مزايا محمود درويش أنه قارئ ممتاز،
وليست مبالغة القول إن محمود درويش قد صرف سنوات طوالاً من حياته، لا سيما في الحقبة الأخيرة، على إعادة صياغة لغته.
كانت موهبته، في البدايات، أعظم من لغته وأوسع.
ولقد رأى حتماً عليه أن يوسع لغته لتستوعب موهبته، وهكذا تسنى لنا أن نغرف من بحر محمود درويش لآلئ جديدة. كان ضرورياً لإنتاجه أن يتوغل في اللغة حتى تتسع لفكرته.
إن اللغة في دواوينه الأخيرة ليست أكثر شفافية وغنى في إيحاءاتها وفي مضمونها فحسب، بل إنها أكثر سلاسة وأعمق دلالة وأعظم استيعاباً لديوان الشعر العربي العظيم، بدءاً بالجاهلية وحتى الشعر الحديث، وإن كان المتنبي باب الدخول الى المعنى والى المبنى والمثال الذي يكبر به من يعتمده أستاذاً... خصوصا وقد أمكن لعبقرية محمود درويش أن تحل القضية، الارض، الوطن، التحرير، محل الشخص وطموحاته ومغامراته الدونكيشوتية.
كثير من الشعراء يشيخون مبكراً لأنهم لا يقرأون،
كثير منهم يصمت مبكراً لأنه يهمل لغته فلا يرعاها ولا يكتشف كنوزها التي تسهم في توسيع مدى رؤيته وتعزز قدرته على التعبير عن الرؤى والأخيلة والتوهمات التي غالباً ما تكون إعادة صياغة للأفكار ربما تستحق المزيد من الاهتمام بأناقتها وبأبعادها التي تجعلها »كونية«.

* * *

يسبقني الى البيت، وهو الدقيق في مواعيده الى حدود الإرهاب، فيبادرني بالعقاب القاسي لأني تأخرت: كيف سنهزم إسرائيل ونحن لا نحترم مواعيدنا، مع أن العرب يشترون أغلى الساعات في العالم. الساعة عندكم يالعرب للزينة والتباهي بذهبها. تنسون أن فيها عقارب تتحرك فتصنع أحداثا قد تغير العالم.
... وفي حالات كثيرة، يفاجئني حين أرفع رأسي عن الورق بحضوره. ولا أعاتبه لأنه جاء بغير موعد، وأتركه يعبث بالكتب مبدياً آراء كاريكاتورية سريعة: هذا يكتب الشعر لزوجته فقط!
لقد تزوجها فلماذا يهدر شعره، ألم يكتف بنكبة الزواج؟!
ـ وهل تعرف زوجته...
ـ لا، ولكنها لو كانت ذكية لما تزوجته، ولو كانت أذكى لمنعته من نظم الشعر، أما لو كانت عبقرية فلكانت جعلت منه شاعراً.
إنه في رحلة قصيرة.. وهو عائد ليشذب زهور الحديقة في رام الله، وليسقي الياسمينة الدمشقية، وليجلس الى طاولته فيكمل الديوان الجديد.
صحيح أن كثيرا منا يعتبرون أن محمود درويش قال ما عنده ومضى الى قدره، واثقاً من أن أجيالنا الجديدة ستقرأه فتفهمه أكثر مما فهمناه،
لكن من يعرف كيف تطور محمود درويش، والى أي حد اختلفت مفاهيمه، برغم ثبات يقينه، يدرك أن هذا الشاعر ـ الكاتب المبدع كان يقاتل اليأس بإيمانه... وكان يجدد في لغته ليكون في الغد، معنى ومبنى.
شاعر عصرنا كتبنا جميعاً في دواوينه: كتب أحلامنا وخيباتنا، كتب شوقنا الى النصر وخوفنا منه، كتب لأرضنا وبأرضنا تاريخنا ورسم الطريق الى المستقبل.
هو أمامنا وليس خلفنا،
وهذه تحية، لرفيق عمر تأخر قليلاً عن موعده، ولا بد له عذره، فهو لا يخلف الميعاد أبداً، ويمرض اذا ما تأخر لسبب طارئ وخارج عن إرادته.

مــن أقــوال نســمة
قال لي »نسمة« الذي لم تُعرف له مهنة إلا الحب:
ـ الحب يصنع لــغته. قبل أن أحــب كنت عيياً لا أكاد أعرف كيف أعبر عن نفسي. مع الحب جاءتني فصاحة كادت تجعــلني شاعراً. أكاد أحسد الشاعر لأنه يمـضي حياته بين حبين: حبه لنفسه وحبه لمن يحبه.

22-8-2008

 

 

 

 

عن محمود درويش: شيء من السياسة!

طلال سلمان

كلما هممت بالكتابة أو بالحديث عن محمود درويش، أتخيله يطل من عليائه على دنيانا، وقد تخفّف من أعباء المجاملة واللياقة وضرورة أن يتصرف، وهو الكبير، بترفع، فيأخذني التهيب وأرجئ الامر الى لقاء مغلق فأصارحه متوقعاً أن تذوب كلماتي في ثنايا ابتسامة السخرية التي تغطي كامل وجهه وتجعل عينيه أشبه بعيني ثعلب أتعب المكر الطفولي وما تعب، بل ظل متحفزاً لهجوم جديد قد يأتيه من حيث لا يتوقع... فإن لم يأت بادر هو الى الهجوم استباقاً.

الأخطر من محمود درويش، شاعر عصرنا، هو محمود درويش ما قبل الشعر وما بعده: العقل المفتوح على الثقافة الإنسانية، الوجدان اليقظ المتنبه الى موقع العدالة في التصرف وفي القول، من داخل إيمانه بأنه صاحب قضية... بل لعل يقظته الوجدانية قد دفعت به في حالات كثيرة الى اختراق الحدود المحرمة للكلام في المحظور، وجعلته يمشي على الجمر وهو يدرك أن من خلفه قد يرمي عليه حرم الخيانة، في حين أن من أمامه لن يستقبل دعوته بما تستحق من حفاوة منهكة للعقل ومدمرة لاستقراره في قلب أوهامه المحروسة جيداً... بالسلاح النووي.

وعلى امتداد ست وثلاثين سنة من الصداقة تعرفت الى بعض شخصيات محمود درويش، وهي عديدة ومتعددة بحيث انني لا أجرؤ على الادعاء انني قد عرفت »كل« محمود درويش...
مع كل ديوان جديد كنت أكتشف جديداً في محمود درويش، فإذا ما التقينا وتوغلنا في النقاش كنت أتيقن من أن رحلة محمود درويش نحو الاكتمال مستمرة ومتواصلة، تحاول اختراق الصعب في اللغة وفي المعنى، في الفكر السياسي كما في الوجدان الإنساني، وتلامس المحظورات بغير تهيب، اتكاء على الواقع العربي الرسمي الذي يمنع على أية قيادة أن تتخذ لنفسها صفة القاضي أو الكاتب بالعدل.

ومن أسف فإن صعود محمود درويش نحو ذروة التحدي في تناول الأبعاد الفكرية ـ السياسية للقضية التي حولها التخلي أو العجز أو الأمران معاً الى مشكلة، قد تزامن مع هبوط كارثي في مستوى القيادات وبالتالي في مستوى الصراع السياسي الذي كان مقدّراً له أن يستولد الفجر الجديد فإذا به يعجل في إفراغ الصراع من مضمونه الإنساني العظيم، كقضية تتصل بمستقبل شعب وأمة بل انها تتصل بالمستقبل الإنساني جميعا، الى مسألة نزاع حدودي ونقاش بيزنطي حول الادعاءات التاريخية لأهل الأسطورة والحقوق الطبيعية لأهل الأرض.
ولان محمود درويش من أهل الأرض فقد كان ممتلئا بحقه فيها، وإن كان هذا الامتلاء بحقه لم يمنعه من أن يتجاوز »العدو« في الإنسان الآخر الذي جاء يدّعي سبقه فيحاول محاورته، مع وعيه المسبق بخطورة هذه المحاولة، سياسياً واجتماعياً وحتى على المستوى الفكري.

فمحمود درويش، في نهاية المطاف، فرد، في حين أن »محاوره« مؤسسة دولية عاتية، بإمكانات غير محدودة، فكرياً وسياسياً ومادياً، وبتاريخ حافل بالتجارب والمحاورات والصفقات الدولية، التي احتلت بخطورتها جانبا عظيماً من الاهتمامات والمشاغل الدولية على امتداد نصف قرن أو يزيد تمهيداً وإعداداً وتحضيراً، ثم احتلت نصفه الآخر في تأكيد منعتها في مواجهة ذلك الحشد العربي الذي يفتقد أول ما يفتقد الأسباب العملية لوحدته، وبالتالي أبسط مقوّمات صموده أمام الإغراءات والضغوط، ثم أمام القوة العاتية التي يمكنها أن تقرر مصير الأرض وأهلها، بغض النظر عن موقع الحق وأصحابه.

* * *

عندما التقيت محمود درويش، لأول مرة، في القاهرة، مطلع العام ،١٩٧٢ كان حديث الخروج من جنته، مسبوقاً بشهرته الممتازة كمقاوم للاحتلال، تجلله حيثما ذهب قصائده ذات النبرة الحماسية المؤكدة للصمود، بل والى تحدي هذا »العابر« المحصن بقوة القتل.
ولعل صدمته الأولى كانت عبر هذا الاستنجاد الملح من أهل »الخارج«، مصدر الأمل بالتحرير والعودة، بهذه القصيدة التي تكتسب أهميتها أولاً وأخيراً من واقع أنها قيلت في »الداخل« وفي مواجهة من يحتل »الداخل«... وأنها وإن كانت تبشر بصمود أهل »الداخل« ورفضهم الاحتلال الإسرائيلي، فإنها لا يمكن أن تعني أن هؤلاء الأهل المعزولين في »الداخل«، والذين يعاملون كأسرى حرب، سيقدرون على مواجهة العدو وإلحاق الهزيمة به بصمودهم مجرداً... بل إنه صمود بطولي في انتظار أن يتلاقى الأهل، أي الأمة العربية، في ساحة تحرير فلسطين، حيث يمكن لمن في الداخل أن يلعبوا دورهم في الفصل الحاسم في انجاز المهمة بالاتكاء على قوة أهلهم العرب، وليس في التصدي لأعبائها التي تفوق طاقاتهم بما لا يقاس.
كان قد جاء يطلب سيفاً عربياً، ولم يكن ليتصور أن »العرب« سيطلبون منه، كلما التقاه نفر منهم، أن ينشدهم »سجل أنا عربي«.
ولقد بلغ من حدّته في رد فعله على مطالباته بأن يبدأ وينتهي بـ»سجل أنا عربي« بأن صار يهين من يطلبها حتى لو كان يعرف أن البعض كان يطلبها تكريماً لشاعرها، وتوكيداً لالتزامه بالقضية بأبسط تعبير مباشر يتصل بها.
اكتملت الفاجعة عند محمود درويش عندما عرف من قرب حركة المقاومة الفلسطينية، بقادتها الكثر، وخلافاتهم التي لا تنتهي، وعندما رأى بأم العين كيف أفسد المناخ المحيط بالمقاومة الثوار الشبان الذين جاؤوها كي يعودوا الى فلسطين وانتهوا وقوداً لحركة صراع الأنظمة مع التنظيمات المقاومة، أو أفسدهم الطموح الى السلطة في أوطان غير وطنهم وبالسلاح الذي كان منذوراً للتحرير.
وافترض أن تجربة المقاومة الفلسطينية في بيروت، وهي هائلة الغنى، تمتزج فيها البطولات بالتعثر، ويمتزج فيها الإيمان بالحق في وطن بمغريات السلطة التي تجيء الى حامل السلاح فتحرف سلاحه عن هدفه، قد عززت عند محمود درويش اقتناعه بأن »الخارج« مفسدة للفلسطيني فيه، يبعده أكثر فأكثر عن »الداخل« الذي لا بد سيتأثر بوقوعات »الخارج« فيزداد يأساً وقنوطاً.
وجد محمود درويش الثوار يفقدون ـ تدريجاً ـ وجهتهم الأصلية.
عاش قريباً منهم، محتفظاً بمسافة تمكنه من أن يرى ويعرف ويكتشف ويناقش، وينتقد ويعترض.
كان يقدّر البطولة، ولكنه يخاف من التيه،
وكان يتفهم ظروف هؤلاء المقاتلين الشبان الذين وجدوا أنفسهم يدخلون تجربة مفزعة تتمثل في أن يتحولوا الى سلطة بديلة، في وطن ليس لهم، فيبتعدوا عن طريقهم الى وطنهم، وتتبدل أولوياتهم في قلب الصراع. يوماً بعد يوم كان محمود درويش يتابع، بفزع، كيف يتحول الثوار الى ميليشيا في شوارع المدينة التي فتحت لهم قلبها، وكيف يُستدرجون ثم يقبلون بتردد، في بداية الأمر، ثم بشيء من الشهامة، نصرةً لصديق أو رفيق سلاح، بحيث يغدون طرفاً في منازعات داخلية حول السلطة، في هذه الدولة العربية أو تلك، ثم الى طرف في محور عربي مخاصم لمحور عربي آخر، والكل يتبارز بشعار فلسطين الى حد تحطيم المقدس في الشعار وفي القضية.
ولقد عانى محمود درويش تمزقاً هائلاً وهو يقارب بين ما يعرفه عن واقع »الداخل« وما بات يعرفه الآن عن »ثورة الخارج« وما شهد عليه من صراعات داخل كل معسكر، فضلاً عن الصراع الآخر المفتوح دائماً لمحاولة استنفاذ استقلالية القرار الوطني الفلسطيني... وهي محاولة كلفت العديد من قادة الثورة حياتهم، كما كلفت آخرين استقلاليتهم وقدرتهم على اتخاذ القرار... في حين اندفعت قيادات اخرى تحت لواء هذا الشعار الى حد المخاصمة التي كان لا بد أن تنعكس انقساما داخل الصفوف كثيرا ما شارف حد الاقتتال الداخلي.
لكن عبقرية محمود درويش ظلت تتجلى في الفصل القاطع بين موقفه السياسي من هذا النظام أو ذاك وبين علاقته بالبلد المعني، سواء كان مصر أو سوريا أو تونس... أما لبنان فحكاية أخرى.
القضية عظيمة، بجلال قداستها، وشرعية الحق فيها،
وهي قضية عربية، بل هي القضية العربية إذ هي تختزن أحلام أجيال من شباب العرب، في المشرق والمغرب، في التحرير والتحرر، في الوحدة والتقدم... في تحويل الأحلام التي عاش في أفيائها أجيال من المناضلين، فعملوا ما وسعتهم الطاقة، وقدموا زبدة فكرهم وعرق الزنود وصولا الى الدماء في مواجهة الاحتلال، على اختلاف جنسياته، وهم يفترضون أنهم يتقدمون في اتجاه فلسطين باعتبارها الجامع بين الوحدة والتحرر والتقدم.
ولقد تجرع محمود درويش، مثلنا، المرارات وهو يطوف في البلاد العربية فيستقبله الجمهور مغرباً ومشرقاً وكله فلسطيني بعواطفه وبعقله وباستعداده للقتال، فإذا ما دعاه أهل القصر اكتشف أنهم يخافون من فلسطين أكثر مما يخافون من إسرائيل، وربما لهذا هم يخافون من شعوبهم أكثر مما يخافون من مشروع الهيمنة الاميركية الداعم للاحتلال الاسرائيلي.
وبعض وجوه عبقرية محمود درويش انه استطاع الفصل الكامل بين علاقته الرسمية الاضطرارية بأهل النظام في الدول وأشباه الدول التي تردد اليها وبين جماهير شعره التي تكاد تكون حاصل جمع شعوب تلك الدول، رجالاً ونساء، شيوخاً وفتية، وأصحاب مواقع رسمية يتنكرون كي يسمعوه، ويرددون أشعاره حتى وهم يبلغونه ـ برفق ـ أن يخفف الوطء حتى لا يفسد لهم علاقتهم بجمهورهم... أو علاقته بهم.

* * *

بين مزايا محمود درويش أنه قارئ ممتاز،
وليست مبالغة القول إن محمود درويش قد صرف سنوات طوالاً من حياته، لا سيما في الحقبة الأخيرة، على إعادة صياغة لغته.
كانت موهبته، في البدايات، أعظم من لغته وأوسع.
ولقد رأى حتماً عليه أن يوسع لغته لتستوعب موهبته، وهكذا تسنى لنا أن نغرف من بحر محمود درويش لآلئ جديدة. كان ضرورياً لإنتاجه أن يتوغل في اللغة حتى تتسع لفكرته.
إن اللغة في دواوينه الأخيرة ليست أكثر شفافية وغنى في إيحاءاتها وفي مضمونها فحسب، بل إنها أكثر سلاسة وأعمق دلالة وأعظم استيعاباً لديوان الشعر العربي العظيم، بدءاً بالجاهلية وحتى الشعر الحديث، وإن كان المتنبي باب الدخول الى المعنى والى المبنى والمثال الذي يكبر به من يعتمده أستاذاً... خصوصا وقد أمكن لعبقرية محمود درويش أن تحل القضية، الارض، الوطن، التحرير، محل الشخص وطموحاته ومغامراته الدونكيشوتية.
كثير من الشعراء يشيخون مبكراً لأنهم لا يقرأون،
كثير منهم يصمت مبكراً لأنه يهمل لغته فلا يرعاها ولا يكتشف كنوزها التي تسهم في توسيع مدى رؤيته وتعزز قدرته على التعبير عن الرؤى والأخيلة والتوهمات التي غالباً ما تكون إعادة صياغة للأفكار ربما تستحق المزيد من الاهتمام بأناقتها وبأبعادها التي تجعلها »كونية«.

* * *

يسبقني الى البيت، وهو الدقيق في مواعيده الى حدود الإرهاب، فيبادرني بالعقاب القاسي لأني تأخرت: كيف سنهزم إسرائيل ونحن لا نحترم مواعيدنا، مع أن العرب يشترون أغلى الساعات في العالم. الساعة عندكم يالعرب للزينة والتباهي بذهبها. تنسون أن فيها عقارب تتحرك فتصنع أحداثا قد تغير العالم.
... وفي حالات كثيرة، يفاجئني حين أرفع رأسي عن الورق بحضوره. ولا أعاتبه لأنه جاء بغير موعد، وأتركه يعبث بالكتب مبدياً آراء كاريكاتورية سريعة: هذا يكتب الشعر لزوجته فقط!
لقد تزوجها فلماذا يهدر شعره، ألم يكتف بنكبة الزواج؟!
ـ وهل تعرف زوجته...
ـ لا، ولكنها لو كانت ذكية لما تزوجته، ولو كانت أذكى لمنعته من نظم الشعر، أما لو كانت عبقرية فلكانت جعلت منه شاعراً.
إنه في رحلة قصيرة.. وهو عائد ليشذب زهور الحديقة في رام الله، وليسقي الياسمينة الدمشقية، وليجلس الى طاولته فيكمل الديوان الجديد.
صحيح أن كثيرا منا يعتبرون أن محمود درويش قال ما عنده ومضى الى قدره، واثقاً من أن أجيالنا الجديدة ستقرأه فتفهمه أكثر مما فهمناه،
لكن من يعرف كيف تطور محمود درويش، والى أي حد اختلفت مفاهيمه، برغم ثبات يقينه، يدرك أن هذا الشاعر ـ الكاتب المبدع كان يقاتل اليأس بإيمانه... وكان يجدد في لغته ليكون في الغد، معنى ومبنى.
شاعر عصرنا كتبنا جميعاً في دواوينه: كتب أحلامنا وخيباتنا، كتب شوقنا الى النصر وخوفنا منه، كتب لأرضنا وبأرضنا تاريخنا ورسم الطريق الى المستقبل.
هو أمامنا وليس خلفنا،
وهذه تحية، لرفيق عمر تأخر قليلاً عن موعده، ولا بد له عذره، فهو لا يخلف الميعاد أبداً، ويمرض اذا ما تأخر لسبب طارئ وخارج عن إرادته.

مــن أقــوال نســمة
قال لي »نسمة« الذي لم تُعرف له مهنة إلا الحب:
ـ الحب يصنع لــغته. قبل أن أحــب كنت عيياً لا أكاد أعرف كيف أعبر عن نفسي. مع الحب جاءتني فصاحة كادت تجعــلني شاعراً. أكاد أحسد الشاعر لأنه يمـضي حياته بين حبين: حبه لنفسه وحبه لمن يحبه.

22-8-2008

 

 

 

مات أنكيدو ورحل جلجامش .. فلا تغتالوه

خالد الجبر
(الأردن)

سررت حقا حين قرأت ما كتبه العزيز ''يوسف عبد العزيز'' في ''الرأي الثقافي'' (ع 13827، 15 آب 2008) تحت عنوان ''قلبه الذي مات من شدة الحب''، فقد قدم وداعية لمحمود درويش مُوْجِزَةً السياسي والثقافي والأدبي والخاص الذاتي في صعيد واحد. وقبله هالتني صراحة السّياسيّ الأديب ''سليم الزعنون-أبي الأديب'' في تأبين محمود درويش، لأنها كانت صراحة صادقة، اختلف بها عن الذين ''لفُّوا ولفلفوا'' في كلماتهم. ومعهما أدهشني الحزن النبيل ورحابة الأفق الدافئة التي نديت بها كلمات ''سميح القاسم'' صنو روح درويش، والطرف الراسخ من ثنائية الصبا والشباب والشعر وفلسطين مع محمود. أركّز على هؤلاء لأنهم اعترفوا لدرويش بإنسانيته وشعريته ومبدئيته ولم يصنِّموه؛ ولأنهم رغبوا رغبة حقيقية في الاستجابة لدرويش الذي تغير، وتغير شعره معه، فلمَّح الزعنون وصرَّح عبد العزيز وكشف القاسم رغبة في الإعلان عن دوافع ذلك التغير، والمسكوت عنه الذي تواطأ السياسي والثقافي والشعبي على ستره!.

ما الذي جعل صاحب ''نحن في لحم بلادي.. هي فينا'' يحتاج إلى ''ذاكرة للنسيان''؟ ولماذا أصبح غناؤه القديم ''سقطت ذراعك فالتقطها.. وسقطت قربك فالتقطني.. واضرب عدوك بي.. فأنت الآن حر'' بالياً في نظره، ليعلو غناؤه الجديد: ''وأنت الآن.. أنت الآن حر، يا ابن نفسك، أنت حر من أبيك ولعنة الأسماء''؟ كيف تحول خطاب درويش البدايات من ''وطني ليس حقيبة، وأنا لست مسافر، إنني العاشق والأرض حبيبة''، إلى خطاب نقيض عند درويش حصار بيروت ''وطني حقيبة، وحقيبتي وطني، ولكن.. لا رصيف، ولا جدارْ''، ثم من بعدهما ''وطني قصيدتي الجديدة''؟ لماذا تغير مفهوم المنفى - الوطن عند درويش، من أرضٍ هي الفردوسُ المفقود في البدايات، إلى ''وطني حقيبة، في الروح الغريبة...''، ثم صار المنفى هو البيت ''الآن، في المنفى، نعم في البيت، في الستين من عمر سريع يوقدون الشمع لك''، بل حديقة قبالة ''الوطن الحديقة'' والمنفى ''السياج والتيه'' قديما؟ ولماذا صار درويش قادرا على وصف ''حدائق المنفى'' بعد أن صارت الطريق ''تؤدي إلى طلل البيت تحت حديقة مستوطنة''، وجاهر بدعوة علنية صريحة أن يرفض جيل كامل من ناشئة الشعراء الفلسطينيين التأثر به في رسم صورة غير حقيقية لفردوس أسهم هو نفسه في رسمها، ودعاهم إلى عدم التأثر بالرحيل أو الغياب مثله حينما يرسمون صورة الوطن، والمنفى: ''هناك من تمشي خطاه على خطاي، ومن سيتبعني إلى رؤياي. من سيقول شعرا في مديح حدائق المنفى، أمام البيت، حرا من عبادة أمس، حرا من كناياتي ومن لغتي''، لتتحقق حرية درويش تماما كما تتحقق حرية هؤلاء الخارجين من عباءته عليه: ''فأشهد أنني حي وحر حين أنسى!''؟.

لماذا يتهرب السياسي من نزع صفة ''شاعر المقاومة'' عن محمود درويش ''العادي''؟ ولماذا يرفض الثقافي والنقدي أن يخوض في قراءة تحولات درويش؟ ولماذا يصر الشعبي والجماهيري على وسم درويش بسمات خطبته الحماسية - قصيدته الجميلة يومها ''سجِّل أنا عربي''؟ لماذا تحدثوا عن درويش عضو اللجنة التنفيذية، ومدير الدائرة الثقافية فيها، ثم تجنبوا الحديث عن استقالته منهما، ورفضه الاستيزار للثقافة في السلطة الفلسطينية، واعتزاله في باريس، وقطع المخصَّصات المالية عنه شهورا؟ ولماذا يريد المثقف منه أن يظل ''المسيح الحافي'' على درب الآلام دون أن يقول شعرا ''ذاتيا'' في ''وصف الضَّباب''، أو حتى في ''الذباب الأخضر''؟.

لقد أعلن درويش منذ زمن طويل (1972) أنه يتملكه حس خاص بالشعر، ورغبة جامحة في فك أغلال ''سجل أنا عربي'' عن عنقه، عندما كتب قصيدته الإشكالية الأولى ''سرحان يشرب القهوة في الكافتيريا''. لكنه على طريقته الجمالية ''يجب أن تكون معنوياتك عالية، حتى لو كنت على خازوق'' - أسهم بخطابه العالي، وشعره المُوَتِّر، في رفع صوت فلسطين والفلسطيني عربيا ودوليا. وظل على ذلك حتى تلبَّسته حالة مقابلة حدَّ المطابقة بين الفلسطيني وإخوته العرب، ويوسف وإخوته الذين ألقوا به في غيابة الحصار في بيروت سنة (1982).
سقط الصوتُ العربيّ حينَها تحت لهيب سياط الحقد والكراهية واللاإنسانية، وصارت ''أنا عربي'' قاصمة لظهره، لكنّها ظلّت ثقافيّا وجماهيريا هي المطلب النّموذج. ولمّا كانت الانتفاضة الأولى - بعد شهور من بدئها تقريبا - كان التّراجع على المستوى الفلسطينيّ ظاهرا، فقد خرجت وثيقة/ رسالة من منظّمة التّحرير الفلسطينيّة تقرّ فيها بحلّ الدّولتين وإمكانية الاعتراف بالعدوّ. ورغم ذلك ظلّت الأجساد العارية تواجه الدّبّابات، ومقاليع الأيدي تواجه المدافع والبنادق... قتلى شهداء، وتهديم وتحريق، وتجهيل وبطالة وفقر، وشعب يؤمن بالتّحرير من النّهر إلى البحر، لكن في المقابل قيادة تسعى للبحث عن دُوَيلة مَسْخ في أيّ مدينة، على أيّ قطعة أرض... الشّهداء والجرحى والمعتقلون المناضلون والجماهير يسعون إلى هدف، والقيادة توهمهم بأنّها توظّف أجسادهم ودماءهم وصبرهم وشقاءهم وبطالتهم وعذاباتهم وجهلهم للهدف نفسه؛ ودرويش شاهد على هذا وشاهد على ذاك!! يرى ما لا يُرَى، ويرى ما لا يُريد... حتّى كانت أوسلو.

لا أريد القول هنا إنّ درويش كان يرفض أوسلو أو يقبلها، فمواقفه السّياسية حيالها معروفة، لكنّ درويش بعد أن استقال، وزار فلسطين للمرّة الأولى منذ خروجه منها سنة 1972، رأى ما لا يستطيع أن يتحمّله. منذ أن قال درويش سنة 1986: ''آن للشّاعر أن يقتل نفسه''، ومنذ بكى في الحقبة نفسها: ''أنا يوسفٌ يا أبي، إخوتي لا يحبّونني''، ومنذ قوله بعدها: ''منذ ثلاثين شتاءْ، وهوَ يحيا خارجي'' كان متوقّعاً منه أن ينكسر. هشاشةُ الشّاعر تقوى على حَمْل أعباء الدّنيا كلّها، إلاّ أن يحسّ أنّه أسهم بشِعره عالي الخِطاب والنّبرة في انضواء الجَماهيريّ والثقافيّ تحت عباءة السّياسيّ، ثمّ يجد السّياسيّ يسعى في خطّ مُغاير لخطّه المُعلَن الذي بسببه قال الشّاعر، وبسببه صدّقه الثقافيّ والجماهيريّ. والذي يقرأ في ديوان درويش ''لا تعتذر عمّا فعلت'' يجد أنّ درويش رفض الاعتذار لأحد: لا السياسيّ ولا الثقافيّ ولا الجماهيريّ لأنّهم جميعا استنزفوه، وأسهموا في احتراقه لينبعث من رمادِه ''عنقاء خضراء''، لكنّه اعتذر لأمّه: حوريّة التي قضى زمنا طويلا بعيدا عنها فحرمها من أن تمارس أمومتَها، وفلسطين التي ''بغيابها كوّن صورتها''، ويجده يقول صارخاً في قصيدته ''زيتونتان ''(ص53-54):

''كلّ الملائكة الذين أحبُّهم
أخذوا الرّبيع من المكان صباحَ
أمسِ، وأورثوني قمّة البركانْ
أنا آدم الثّاني. تعلّمت القراءةَ
والكتابةَ من دُورس خطيئتي،
وغدي سيبدأ من هُنا، والآنْ
إن شئتُ أن أنسى... تذكَّرتُ
انتقيتُ بدايةً، ووُلِدتُ كيفَ أردتُ
لا بطلاً... ولا قُرْبانْ''.

كان ذلك حسّ درويش في تلك المرحلة، خصوصاً بعد الزّيارة التي كشفت له حال الوطن الأرض، وحال الجماهيريّ، وحال السّياسيّ ''الملائكة الذين أحبَّهم''، وحال الثقافيّ أيضا.
أربعة عقود تكشَّفت عن سُلطة هزيلة، وصراعات، وقُبْح، وتنازُلات، ووُعود كاذبة، وسعي للثّراء عن طريق الوكالات، ونهب أموال المساعدات والمشاريع الإنمائيّة السّرابيّة، وتقاسُم حصص... حالَ الوطن مسخاً، مع ما رافق هذا كلّه من تمدّد سرطانيّ استيطانيّ مُريع، وخلافات فئويّة وجهويّة ومصالحيّة ومراكز نفوذ لا حصر لها.
أمام هذا المشهد الدّالّ على تحطّم الحُلم، ومسخ الوطن، وتضاؤل القضيّة، وتشظّي الذّات الجمعيّة، وأمام مشهد فقدِ الآخر أيّ معنى إنسانيّ، وامتداد الدّورة التاريخية الدّائبة التي لم تنتهِ: دورة نزيف الدّم الفلسطينيّ منذ كان حتّى زمانه ذاك، وزماننا هذا، ذاك الذي وصفه بقوله: ''أولى أغانينا دمُ الحبّ الذي سفكتْهُ آلهةٌ، وآخرها دمٌ سفكتهُ آلهةُ الحديد'' - أمام هذا كلّه قال درويش في قصيدته ''كحادثة غامضة'' (ص 152):

''أمّا يبوسُ، فلن تتحمّل أكثر. فالجنرالُ
استعار قِناع النبيّ ليبكي ويسرقَ
دمع الضّحايا: عزيزي العدوَّ!
قتلتُكَ من دون قصدٍ، عدوّي العزيزَ،
لأنّك أزعجتَ دبّابتي''.

لم يكن أمام ذاتٍ شعريّة كذات درويش إلاّ أن تتشظّى، تتحطّم، تنتحر، أو تبحث عن طريق أُخرى تحافظ بها على نفسها. ومنذ ذلك الحين ودرويش يعيشُ ''اثنين'' لا ''واحداً''! لقد ''انكسرت السّروة''، وأصبح يبحث عن حرّيّته: ''أمّا أنا فأقول لاسمي: أعطِني ما ضاع من حرّيّتي''، نعم لقد تعب درويش، وأصبح غير قادر على المتابعة، وليس معنى ذلك أنّه كان راضيا عمّا يحدث: ''أمّا أنا فأقول: أنزِلْني هنا. أنا مثلُهم لا شيءَ يُعجبُني، ولكنّي تعبتُ من السّفر''. أصبح درويش في حاجة ماسّة لمثل قوله ردّا على نفسه حين تساءل: ''ماذا سيبقى من كلامِك أنتَ؟ - نسيانٌ ضروريّ لذاكرة المَكان!''. وقد تمكّن -رغم وعيه بحالةِ ''الفصام الواعي'' التي أوصله إليها السياسيّ والثقافيّ والشّعبيّ- من الإبقاء على الذّات مُقاومة وإن بطريقة أُخرى. ترى هذا في قصيدته ''لو كنتُ غيري'' (ص 112):

''لو كنتُ غيري في الطّريق، لقلتُ
للجيتار: درِّبني على وتر إضافيّ!
فإنّ البيت أبعدُ، والطّريقَ إليه أجملُ
- هكذا ستقول أغنيتي الجديدةُ - كلَّما
طال الطريق تجدَّد المعنى، وصِرتُ اثنينِ
في هذا الطّريقِ: أنا ... وغيري!''..

***

أعيدُ التّساؤل هنا: لماذا تواطأ السّياسيّ والثقافيّ والجماهيريّ على إبقاء هذا كلّه طيّ الأدراج والقلوب والجيوب؟ ولماذا يُصرُّ هذا الثالوث المتواطئ على ''تصنيم'' محمود درويش حتّى وصل الأمر ببعضهم إلى جعلهِ ''شيخ الإسلام''؟..

***

أوّلاً: لأنّ العقليّة العربيّة تعشقُ ''الأصنام والأوثان''، ولا تقوى على العيش من دُونها.
وثانيا: لأنّ الأصنام والأوثان ممّا يسهُل تحطيمُه عندما تزول الحاجة إليه. ألا يرى القارئ الكريم ما فعلتهُ رسائل غسّان كنفاني إلى غادة السمّان -حينما نشرتها- بصُورتِه؟ بل لعلّ الأوثان المصنوعة من ''تَمْر'' تُفيدُ في حالة الجُوع فتُلْتَهم، وإذا كانت من حطب فقد يُستفادُ منها بإحراقها للدّفء أو غيره حين الحاجة! أمّا الإنسان، فإنّ تحطيمَه يستَحيل!.
وثالثا: لأنّ ''تصنيم'' محمود درويش بوصفِه ''شاعر المقاومة'' سيحفظ للجميع رغباتهم، ويؤدّي لهم أهدافهم؛ فالسّياسي ''يُبقي الطّابق مستوراً''، والثقافيّ يحقّق مسعاهُ بالمحافظة على صورة الوطن والصّراع في أذهان الجماهيريّ كما يريد: نقيّة خالصة لا شِيَةَ فيها، والشّعبيّ الذي فقد الوطن على الأرض، سواء أكان في المنفى الشّتات أم في الوطن الذي قضمه الاحتلال شيئا فشيئا، يريد المحافظة على صورة الوطن في القصيدة!.

***

لقد مات ''أنكِيدُو'': درويش الشّاعر المغنّي منذ أواسط الثّمانينيّات، ورتّب جنّازه وقُدّاسه بنفسه منذ كان حصار بيروت ومذابح صبرا وشاتيلاّ والمخيّمات الأخرى سنة 1982 وبعدَها. ولقد اضطرب ''جلجامش'': درويش الإنسان العاديّ المتشظّي الهشّ بحثاً عن سرّ الموتِ وسرِّ الحياة، وبدأت علامات الضّعف والمرض تظهر عليه شيئا فشيئا، حتّى كانت العمليّة الأولى في القلب... ثمّ كانت الثّانية والأخيرة. أولاهما في باريس التي عشقَها، والتي شكَّلت وعيَه من جديد بعد أن قضى فيها شُهوراً وحيداً معزولاً أو معتزلاً بلا مال، وشكّلت انعطافاً في رؤيته للشّعر بعيدا عن السّياسيّ، والأُخرى في بلادِ ''نِيرُون'' سادنِ السّماء، وحامل مفاتيح أروقةِ ''آلهةِ العذابِ المعدنيّ''، في مُفارقةٍ لعلّها أعجب ما يكون!.
مع هذا كلّه، فإنّ شِعر درويش لم يفقد جماليّاته، بل الصّحيح أنّ جماليّاته وشِعريَّتَه وأدبيّته وإيقاعه كلّها تنامت حتّى بلغت الذّروة في ''أثر الفراشة''، ويُعدّ صحيحا القول: إنّ شِعر درويش ونثرَه كانا وما يزالان في قمّة الأدب العربيّ، بل الإنسانيّ: جمالاً وعُمقا وثراء وإيقاعا ولُغة وتشكيلا...

هكذا، مات أنكيدو، ورحل جلجامش، فلا تُحمّلوه الآن، بعد رحيله، أعباءً لم يكُنْ قادراً على حملها قبلَ الرّحيل... ولا تصرّوا على الإثمِ بإلصاقِ ما صار ينفرُ من إلصاقِه به قبل موتِه... اعترفوا بإنسانيّة درويش، ولا تُصنِّموهُ لتحطِّموهُ في حُضوره، كما حطّمتموه في غيابِه... اعترفوا بإنسانيّة درويش لكي تعترفوا بإنسانيّتكم أيضاً، وتعرفوا أنّكم لستُم آلهةً، ولا أصناما ولا أوثانا... اعترفوا بإنسانيّة محمود درويش، وهشاشتِه، ولا تغتالُوه من جديد!

22-8-2008

 

 

 

محمود درويش .. لا غياب أبداً

علي الخليلي
(فلسطين)

كل فلسطيني على هذه الأرض، يحسّ حتى شغاف الروح، بمرارة الفقدان الخاص به في رحيل الشاعر الكبير محمود درويش الذي قال قبل طرفة عين من رحيله، "أنا لست لي"، مكررا قوله هذا ثلاث مرات، في إحدى قصائده. فهو العارف سلفا أنه للناس أجمعين. فكيف لا ترتجف الروح في الناس فجأة، وهم يتنفسون كلهم من رئة واحدة، هي رئة هذا الشاعر، ورئة هذا الشعر الـمتدفق من روحه؟ وفي صميم هذه الـمعرفة العميقة له وللناس، يتشكل هذا الإحساس الصاعد من الشاعر إلى لغة الأرض والإنسان. وهو في الـمحصلة الوجدانية، إحساس على مدار الكون، من هنا إلى هناك. و"هناك" كما قال الشاعر أيضا، هي ذاتها "هنا" باستمرار. و"هنا" هي فلسطين. فلسطين القلب وفلسطين الأساس. وفلسطين محمود درويش.
وفي هذا التماهي بين الشعر والشاعر والأرض والناس على امتداد الزمان والـمكان، ينبثق الإدراك الراسخ من تفاصيل الإحساس، أن الشعراء الكبار لا يغيبون. هم يرحلون في أنسجة الـمكان والزمان، ولا يغيبون أبدا. والواقع أنهم يزدادون حضورا كلـما اشتد ثقل الغياب. ومحمود درويش يتربع الآن، على سعة الامتلاء الحضاري، في الصدارة الحية من هذا الحضور، واثقا من بقاء الأمل الذي قام على تربيته بين الناس، بصدق وشجاعة وحب، في مواجهة العتمة واليأس والخراب، ومن الأرض التي عليها ما يستحق الحياة، رغم وحشية الاحتلال الإسرائيلي الجاثم فوق شرايينها الـممزقة، ومن الناس أنفسهم، وارثين أوفياء للشعر، ومورثين لـمعانيه الإنسانية، من جيل إلى جيل.
كذلك قالت أشجار الزيتون في فلسطين إنها والشعراء الكبار من نطفة واحدة. لا تغيب، ولو قطعتها أنياب ومخالب جرافات إسرائيل الاحتلالية الاستيطانية. ولا يغيبون تحت أي ظرف. فإذا حسب الـموت أنه قد تغلب عليهم في لحظة ماكرة، يلوحون بأيدهم الـمثقلة بالثمار، وبالينابيع والأغنيات، للريح العاتية، ويعبرون إلى الأبدية بقامات عالية، ثم يصعدون إلى التلال الـمحيطة بالناس، يواصلون الإنشاد لهم بهدوء وثقة، عبر ما تركوه لهم من ذاكرة لا تموت ولا تنكسر، تماما كما تصعد أشجار الزيتون الـمقطعة، سامقة وشامخة في تراب الأفئدة والقصائد.
لا غياب. وهل غاب الـمتنبي عنا منذ أكثر من ألف سنة؟ وهل غاب عبد الرحيم محمود وعبد الكريم الكرمي وإبراهيم طوقان ومعين بسيسو؟ وهل غاب بدر شاكر السياب وصلاح بعد الصبور وأبو القاسم الشابي؟
ذاكرة شعرية عربية، هي في جدارة الخلود لها وبها، ذاكرة الحياة والحب والثورة والحرية. وهي في هذه اللحظة بالذات، ذاكرة الحصان الذي لـم يتركه محمود درويش وحيدا. بل يعود إليه على شغف في كل مرة ارتبكت أمامنا الرؤية فيها، يربت على عنقه الـمتعب ويمسح عن جبهته العرق والغبار. هو الذي لـم يترجل عنه في أي يوم، وهو الـمستمر في السعي على صهوته، نحو الوصول إلى فلسطين الأرض، وفلسطين الاستقلال، وفلسطين الدولة، وفلسطين الخير والجمال والفرح.

محمود درويش العاشق الـمنشد، والعاشق الـمجدد، والعاشق القادر على تحدي العدم، حين يحاور هذا العدم بالتاريخ والجغرافيا والفن والثقافة، وبقوة الكلـمات التي تحرس النار في وحشة الطريق الـمظلـمة.
يختفي العدم، ويحضر محمود درويش. وفي الساحات والشوارع والدفاتر والكتب، تأخذ القصائد زينتها للناس من فيض هذا الحضور، ومن مئات القناديل التى أشعلها محمود درويش فوق رؤوسنا بالأسئلة عن جدلية الحياة والـموت، وعن الكون والإنسان، وعن العام والخاص، وعن كل القضايا الإنسانية. قناديل لا تنطفئ في أي حال، ولو أحاط بها الحزن الـموغل في مرارة الفقدان.

يرحل محمود درويش، ولا يغيب. فكيف للحزن الـمتقد أن يفهم الـمعنى الأصعب له بين الرحيل وعدم الغياب؟ نفهم نحن أن الهاجس الأكبر لـمحمود درويش كان ولـم يزل قبل الرحيل وبعده، أن يكون الشعر قويا وجميلا وعظيما، بقدر قوة وجمال وعظمة الإنسان نفسه. والإنسان في البدء، هو الفلسطيني الـمخلوع من وطنه، والـمقهور والـمذبوح والناهض من الرماد إلى حقه في الحياة، وفي الـمقاومة، حتى يتحقق العدل والسلام. وهو في السياق كله، عالـمي الشمول لأمم وشعوب القارات، بلا جنسية أو حدود.
محمود درويش العالـمي في هذا الحضور الإنساني، يحمل قضية الكون باعتبارها قضية العصر، لـما هي في الجوهر، قضية فلسطين. فإذا هو على رأس شعراء الـمقاومة. وإذا هو في آن، على رأس شعراء الإنسانية في زهرة اللوز، وفي أثر الفراشة.

كيف يقدر الشعر على كل هذا؟ يقدر بالتجديد والتحديث. يقدر بالتعب والـمثابرة في البناء. بناء الجملة الشعرية، وبناء الذاكرة، وبناء الشاعر نفسه، ليكون هو ذاته، في خلجات كل مواطن، متجددا ومتوثبا نحو الحداثة والتطور. ونحو الحق والحرية. وهو ما بناه محمود درويش للناس أجمعين، على مدار عمر لا قياس له بالسنين العادية، طالـما أنه خالد بهذا الحضور الـمتواصل.

22-8-2008

 

 

 

إلى أن تعود إلى البروة
مات الشاعر، ولكن شعره باق

رشاد أبو شاور
(فلسطين)

زيتونة فلسطين الشاعر الكبير عبد الكريم الكرمي قال في واحدة من قصائده: الخالدان الشعب والموطن ولأن الوطن فلسطين، ولأن الشاعر الكبير محمود درويش جاء من رحم خصب، ولأنّ فلسطين شعبا وأرضا تستحق كلّ الشعر العظيم الذي أبدعه أبناؤها منذ إبراهيم طوقان، مرورا بأبي سلمى، وعبد الرحيم محمود، وحسن البحيري، وفدوى طوقان، ومعين بسيسو، وصولاً إلى الحيين أطال الله عمرهما: هارون هاشم رشيد، ويوسف الخطيب، فإن سلالة الكبار لن تنقطع، والمواهب لن تنضب...

في حوار بثّته فضائيّة فلسطين أجراه معه نبيل عمرو، قال محمود درويش: شعراء فلسطين مظلومون، هم الذين يغنون المشهد الشعري العربي، لأنهم يعاملون على حسب الرقعة الجغرافيّة التي ينتمون لها! ومّما قاله ويحسن التوقّف عنده: أستطيع أن أذكر لك عشرة شعراء فلسطينيين كبار...

فلسطين التي تفقد شاعرا كبيرا، ليست عاقرا، وهي أنجبت، وستنجب، وهي ليست يتيمة، ولا (أرملة)، فهذه التعبيرات منفّرة، ومسيئة، والشاعر الكبير لا يقبل بها...

حين جاء صوته من عمق فلسطين، ترافق هذا الحضور مع تباشير انطلاقة الثورة المعاصرة، والزمن الفدائي، وهو لم يحضر وحيدا،ولكنه حضر مع: راشد حسين، توفيق زيّاد، سالم جبران، وصديقه ورفيقه سميح القاسم، والذين قدموهم هم أخوتهم في الشتات: المعلّم الكبير غسّان كنفاني، الشاعر الكبير يوسف الخطيب (ديوان الوطن المحتل)، الكاتب إبراهيم أبوناب، وهؤلاء قدّموا تلك الأصوات التي تؤدّي دورها في بلورة الشخصيّة الوطنيّة الفلسطينيّة، تحديّا، ومقاومة للمشروع الصهيوني الرامي لإلغائها.

الحركة الثقافيّة الفلسطينيّة رفدت الحركة الثقافيّة العربيّة الواحدة بأسماء كبيرة: غسّان كنفاني، جبرا إبراهيم جبرا، الدكتور إحسان عبّاس، سميرة عزّام...

ومنذ الستينات أضاف الفلسطينيون للحركة الثقافيّة والفنيّة العربيّة أسماء كبيرة أغنتها فنّا وروحا وحيويّة.

عندما ردّ محمود درويش على تساؤلات سائله في جلسة الحوار تلك بأنه يمكن أن يعدّ له عشرة شعراء كبار، كان يرفض بذلك تكريس اسم شعري واحد،لأن في هذا اعتداء على مواهب كبيرة، وتقليلاً من قيمة وقدر الشعب الذي ينتمي له، وادعاء لا يليق بمبدع كبير يعيش في التحدّي لا في (المبايعة) من صغار اعتادوا العيش في ظّل القامات العاليّة، ممعنين بذلك في سحب ممارساتهم السياسيّة لتغطّي الواقع الثقافي، وتلغيه،أو تتحكّم به بما يناسب مصالحها وأهواءها...

لم أكن صديقا مقرّبا له، ولكنني قدّرت دائما موهبته الكبيرة وإن اختلفت معه في مواقف معروفة، وهذا لا يعني أنني لم أحزن على رحيله كثيرا فقد رحل في أوج عطائه، وشبابه، وبعيدا عن (البروة) ...

من قبل حزنت وبكيت وانقهرت ألما على المعلّم الكبيرغسّان كنفاني الذي نسف جسده العدو الصهيوني بكميّة من الديناميت، كما كتبت محمود، تكفي لنسف جبل! وحزنت كثيرا، وبكيت قهرا، وغضبا على الكبير ناجي العلي فنّان فلسطين وجرحها، وفقراء العرب وغضبهم عندما طالته يد الغدر...

دائما أنجب شعبنا كبارا، في الفنّ التشكيلي: إسماعيل شموّط، في الموسيقى، في النقد الأدبي، في الترجمة، في الريادة الشعريّة: توفيق صايغ ...

سأستحضر هنا بعض الأسماء العشرة الكبيرة التي أحسب أنها خطرت ببال محمود درويش: هارون هاشم رشيد، يوسف الخطيب، ومن جيل واحد: محمد القيسي، عّز الدين المناصرة، أحمد دحبور، مريد البرغوثي...

هل تجاوزت شعراء آخرين سبقوا ذلك الجيل قليلاً؟ نعم وفي مقدمتهم الكبير فوّاز عيد، والذي تحدّث عنه محمود درويش مبكّرا في مقابلة أجرتها معه (الآداب)، وفيها قال بأن اثنين من الشعراء يلفتان انتباهه: فوّاز عيد، وأمل دنقل...

لا خالد أبوخالد، ولا أحمد حسين ، وكيف أمّر على محمد لافي، وإبراهيم نصر الله و...

هناك أكثر من عشرة شعراء كبار يعيشون بيننا! إن أهميّة محمود درويش أنه وجد في زمن الكبار، وحقق لموهبته مكانة كبيرة بينهم: أدونيس، خليل حاوي، نزار قبّاني، البياتي، الفيتوري ...

لم يكن محمود درويش (طفرة) شعريّة، ولكنه كان نبتة متميّزة في حديقة شعريّة عربيّة رائعة ...

وكانت فلسطين القضيّة، والحق، والفداء، والبطولة، والألم، التحدي الذي حرّضه على إبداع شعر يليق بها، ويرتفع عاليا بها لتكون منارة، وتحديّا، بشعر أبقى من صرخة الألم العابرة،ومن الشعار الحار الذي يتلاشى سريعا.

اختلفنا في محطّات وطنيّة فلسطينيّة، ورغم الحدّة في الخلاف لم يكن بيننا حقد، رغم ما بثّه الصغار من ضغائن، ودسائس، دفعته يوما للصراخ في وجه أحدهم: أنت سممت العلاقة بيني وبين رشاد طيلة 25 عاما ..ويشهد الله أنه أخبرني بهذا الأمر في إحدى زياراتي لبيته في عمّان.

كان يتابع أصغر الشعراء عمرا وشأنا، فما بالك بزملائه الكبار في الساحة الأدبيّة الفلسطينيّة!...

مرّات كثيرة توقّف عند محمّد القيسي، وكان معجبا بغنائيته وإنشاده، ولكلّ واحد من الكبار مزاياه التي كان يتوقّف عندها...

اختلفت معه، وكتبت ردا مطولاً في (الهدف) وكانت تصدر في دمشق، وهي التي أسسها المعلّم غسّان كنفاني، وكان ذلك في زمن الانقسام الفلسطيني بعد الخروج من بيروت...

قبل أيّام كتبت مقالة عن النّص الذي حمل (سيناريو جاهز) رفضت فيه (فكرة) أننا والعدو معا في حفرة واحدة ، فالعدو هو من حفر لنا...

ولأنني عرفت بأنه نقل لمستشفى أمريكيّة لتجرى له عمليّة خطرة فلم أنشر المقالة وإن أطلعت عليها بعض الأصدقاء.

ليس سرّا أننا اختلفنا سياسيّا، ولعلّي تألمت دائما من (البطانة) الفلسطينيّة التي بالغت في تكريسه صوتا واحدا، وحجبت الإمكانيات عن (كّل) الحركة الثقافيّة الفلسطينيّة.

تكريم شاعر بحجم محمود درويش عمل ثقافي، وواجب وطني، وقومي، ولكن هل معنى هذا أن لا يهتّم بأي شاعر، أو مبدع فلسطيني آخر؟! أنا أعرف أن محمود درويش تألّم لموت محمّد القيسي، وللإهمال الذي لاقته أسرته بعد رحيله! أنا أعرف أنه تألّم لأن جنازة شيخ النقاد العرب الفلسطيني الدكتور إحسان عبّاس لم يشارك فيها اكثر من ستيّن مشيّعا! أذكر ذات يوم في دمشق، أن الصديق عبد الله حوراني، وكنت أقدّم احتفالا فنيّا كبيرا في (صالة تشرين)، يقوده الموسيقار حسين نازك، وتنشد فيه فرقة العاشقين، اقترب منّي وهمس في أذني: يريد محمود درويش أن تقدّمه، ما رأيك؟! كانت تلك أمسية بمناسبة انعقاد المجلس الوطني الفلسطيني عام 79، ومن بعد صارت أماسيه الدمشقيّة تقدّم في الصالات الرياضيّة التي بالكاد تستوعب جمهور محبيه... محمود درويش الكبير رحل جسدا، وشعره سيبقى، سيقرأه ملايين العرب في زمننا، وما سيأتي من زمن. كلمة أخيرة: عدونا سمح بعودة جثمان محمود درويش إلى رام الله، لكنه لم يسمح بدفنه في البروة مسقط رأسه، وكأنما يقول: لا لحق العودة للفلسطيني حيّا أو ميتا...

أهلنا سيقيمون له احتفالاً على أطلال البروة، وإلى أن يعود ليدفن هناك سيولد شعراء كبار، وثواّر كبار الهمم لن يوقفوا الكفاح قبل تحرير (البروة) التي ستضّم جسدك، وتطلق عصافير شعرك في سماء الجليل ...لروحك السلام يا أخي محمود.

22-8-2008

 

 

 

مارسيل خليفة ابكى السفراء في وداع درويش بعمان

ديانا قاسم

من بين ثنايا جبال عمان الشامخه اطلت الشمس لكن ليس كعادتها كل صباح، فلونها شاحب وشعاعها منكسر، يبعث في النفس كآبة ، كانها تتمنى لو ظلت نائمة ، ولم تتحرك كعادتها من الشرق الى الغرب لتعود الى الشرق ، حين كانت الطائرة التي تحمل فارس الشعراء محمود درويش في رحلته الاخيرة ليحط في مطار ماركا العسكري بعمان قبل ان يواصل مشواره الى مثواه الاخير.
الساعة الثامنة صباحا ، مضربة انا في البحث عن فستاني الاسود ، مضطربة في وضع الشال على كتفي ، حتى وانا اسرح شعري يدايا ترتجفان ، لا اريد ان اتاخر ، اريد وداعك يا درويش.
الازدحام يكاد يخنقي في طريقي الى ماركا ، الوقت يمر سريعا حتى ادمنت النظر الى الساعة ارجوها ان تخفف سيرها، والناس على الارصفة وبعض الباعة ، والسيارات كل الاشياء حولي كانها تتلهف لرؤية درويش باسما كعادته " شامخا منتصب القامة يمشي، مرفوع الهامة كما هو دوما، لعله يأتي ويقول موتي اشاعة ومزحة ثقيله من آب...

وصلت مطار ماركا بعد نصف ساعة تقريبا كانها الدهر، الشرطة والجنود ملئوا المكان .
تقدمت نحو شرطيتين سالتني احداهن ما اسمك؟ ولماذا اتيت؟؟.. حسنا عرفتهم بنفسي ...جئت لأحضر اسقبال الشاعر الكبير محمود درويش، ابتسمت احداهن وطلبت مني بطاقتي وان اتوجه لمندوب السفارة الفلسطينية الذي يقف امام مكتب صغير كتب عليه بوابة السلاح الجوي، رفض مندوب السفارة السماح لي بالدخول متعللا بالقول "العدد محدود ويقتصر على شخصيات سياسية وثقافية".
قلت وانا مواطنة طالبة في الجامعة الا يحق لي وداع حبيب الشعب، ثم اين هم المدعويين، لا ارى احدا غيري؟
لم ينصت لي الموظف وعاد ليؤكد ان هذه تعليمات رجال الامن .بعدم ادخال غير المدعويين.
تجمع عدد من الكتاب والشعراء ومن بينهم الشاعرة منيرة القهوجي ورفعت يونس وغيرهم، طلبت منهم ان يدخلوني معهم فكان الرد "يا ريت يدخلونا"...وقفنا ساعة كامله وسيارات مواكب السفراء لا تنتهي فهذا السفير الكوري، السفير المصري،السفير الهندي...والسفير الماليزي جاء كل سفراء الدنيا لوداعك يا درويش ، وانا على البوابة الخارجية لا يسمح لي بوداعك فماذ افعل؟.
ازداد عدد الذين ينتظرون مثلي عند البوابة الخارجية الكل في خيرة من امره يتسائلون احيانا يغلظون القول مع الموظف دون فائدة ومنهم من قال انه من اقرباء الشاعر العظيم او من رفاقه او محبيه،
تحدثت مع الكاتب عبد السلام صالح فاخبرني ان الطائرة الاماراتية التي تنقل فقيدنا وصلت ، شعر بحزن شديد ، ها هي المراسم قد بدات ولن يكون لي شرف الوداع.
احد ضباط الامن يبدو انه نقل لمسؤوليه حالنا فاشفقوا علينا وقرر الضابط ادخال من ينتمي لمؤسسات ثقافية او صحافية ، تقدمت من احد الصحافيين ورجوته ان يدخلني معه فانا لست صحفية ولا انمي لرابطة الكتاب انا مجرد مواطنة عاشقة لفلسطين مثل شاعرنا المسجى جسده على بعد امتار، وكان لي ما سعيت من اجله واقلتنا سيارات الامن الى داخل المطار.
تقدمت نحو باب قاعة الاستقبال سمعت شرطي يقول يكفي القاعة غصت بالناس، لا يوجد مكان...أجبته سأزاحم ما يهمك ، دخلت القاعة...فاذ بها تغص بالناس جميعهم اردوا السواد وكثير منهم على اكتافهم الكوفية الفلسطينية، بوسترات لدرويش علقت في كل مكان وكتب عليها مقولته- "قل للغياب نقصتني فحضرت..لأكمله".
أغرقت عيناي بالدموع الحارقة كشمس تموز، مالحه كمياه البحر الميت، نظرت الى مقدمة القاعة حيث وقفت معالي الوزيرة نانسي بكير لتلقي كلمتها واذا بالنعش مسجى، مغطى بعلم فلسطين التي طالما عشقها درويش وعشقته وعليه بعض الورود...

الان فقط صدقت ان درويش في طريقه الى العالم الرحب، عالم حيث لا دول، لا حروب،لا صحافة ولا اخبار...ذهب حيث السكينة، الراحة الجنة والخلود...ذهب "وترك الحصان وحيدا"، ذهب وترك الثقافة وحيدة...ذهب وترك قلمه وحيدا ينتره لعله يمسكه مرة اخرى ويبكي عنه للأوراق...

القت بعض الشخصيات المدعوة كلماتها.. رئيس وزراء فلسطين سلام فياض، النائب العربي في الكنيست احمد الطيبي الذي امتزجت كلماته مع البكاء الغزير...وكذلك الفنان الملتزم مارسيل خليفه الذي اسفت للقائه في هذه المناسبة الحزينة، وقف وقبل النعش وغنى "احن الى خبز امي" بصوت ممزوج بالشجن والحنين لشرب فنجان اخر واخير مع فقيدنا درويش...

غنى مارسيل بالالم والحضور يردد معه بصوت باكيا حزين، ... تابع مارسيل الغناء وغنى "يطير الحمام يحط الحمام" ...ومن ثم عاد لمقعده وانفجر باكيا وبكت الجدران معه...ودع الحضور الفارس، رسول قضية فلسطين، وحمل النعش على الاكتاف الى ساحة المطار حيث تنتظره طائرة الهيلوكبتر لنقله الى رام الله حيث مثواه الاخير.

الحرس يؤدون التحية ، الطائرة تستعد للرحيل، الجميع يلوحون بايديهم مودعين تبلل اعينهم بعض من امطار آب.. يهتفون إلى اللقاء يا رسول الثقافة,إلى اللقاء يا متنبي العصر، الى اللقاء يا رسول قضيتنا، قم يا درويش لا تترك الحصان وحيدا فعلى هذه الارض ما يستحق الحياة...قم..قم ...وبين المودعين والباكين والهاتفين .. كنت انا وحيدة الا من دموعي ... رحل درويش...لن يكون هناك مرة اخرى في مسرح وسط البلد في عمان ينتظر محبيه كل شتاء ليغمرهم بدفئه وحنيته، ليوقع على كتبه ودواوينه،...لن يكون حينما تخبز امه رغيفا اخر...
إلى اللقاء يا حبيبنا..انت في ذاكرتنا وقلوبنا خالدا.. فيا شاعرنا العظيم حينما تعانق تراب الوطن سيرتفع علم الدولة الفلسطينية المستقلة التي كتبت وثيقة استقلالها. سلاما درويش.

ديانا قاسم
22-8-2008

 

 

 

قبر محمود

حسن مدن
(البحرين)

في الكلمة المعبرة، المؤثرة، التي ألقاها الشاعر سميح القاسم أمام جثمان صديقه ورفيق دربه، وأخيه الذي لم تلده أمه، محمود درويش، عبر عن المفارقة الموجعة التي فرضت دفن الشاعر الراحل في رام الله وليس في البروة، مسقط رأسه وأرض آبائه وأجداده في الجليل.

البروة لم تعد قائمة، لقد دمرها المحتلون لحظة تأسيس كيانهم، كما فعلوا مع قرى فلسطينية عديدة في الشطر الفلسطيني الذي صرنا نعرفه باسم أراضي،1948 وأقيمت قرية أخرى يطلق عليها الجديدة.

ومصير البروة يكاد يوجز المأساة الفلسطينية، التي كان محمود درويش شاعر ملحمتها، هو الذي طمح إلى ذلك دائماً، وقال مرةً إن مشروعه الشعري هو أن يجعل من قضيه شعبه ملحمة مكتوبة شعراً.

ولا ننتظر من النقد أن يُقرر ما إذا كان محمود قد حقق طموحه هذا، فحالة الحزن والأسى التي عمت فلسطين والعالم العربي والأوساط الديمقراطية في العالم، برهنت على مكانة محمود في وجدان الناس، إنساناً وشاعراً.

لو أن فلسطين لم تُحتل، ولو لم يعمل فيها الاحتلال تجزيئاً وتشطيراً، لكان من الطبيعي أن يضم الجليل رفات ابنه محمود درويش، فيصبح بوسع الفلسطينيين جميعاً، أينما كانوا، أن يزوروا ضريح شاعرهم الأكبر، ومثلهم يفعل كل العرب فيأتون البروة، التي وهبته إلى فلسطين والى العرب والى الإنسانية كلها، ليس بصفته ضميراً للشعب الفلسطيني وقضيته الوطنية فحسب، وإنما لكونه شاعراً كونياً، سيحتل حيزاً مضيئاً في ذاكرة الشعر العالمي بآفاقه الإنسانية الرحبة، وفي انحيازاته لقيم التسامح والحرية ونبذ كافة أوجه الاضطهاد والعسف.

لكن فلسطين محتلة، والذهاب إلى الجليل عصيّ، كما أن الذهاب إلى رام الله لا يتم إلا عبر حواجز التفتيش “الإسرائيلية”، والتلة التي سيرتاح فيها جثمان الشاعر مطوقة، هي الأخرى، بحراب المحتل وآلياته.

ومحمود الذي أقلق الاحتلال في حياته، حين ألف أن يكون مُجاوراً للمحتل منذ أن كان في حيفا، يدخل من السجن ليعود إليه ثانية، ومنذ أن رأى الجنود الصهاينة يتجولون في رأس بيروت حين اجتاحوها في صيف،1982 وأبى الشاعر، رغم ذلك، مغادرتها، اختار أن يجاور المحتلين في مماته، في مجازٍ بليغ بأن الفلسطيني باقٍ في أرضه، فيما الاحتلال إلى زوال، ككل العابرين في كلامٍ عابر.

22-8-2008

 

 

 

 

وتوقف قلب الشاعر الكبير محمود درويش

عبدالعزيز المقالح
(اليمن)

حينما يتوقف قلب الشاعر يتوقف نبض الحياة، وتتوقف موسيقى الكون، ويتلاشى الضوء في الآفاق. هكذا أحسست حين تلقيت النبأ الصاعق، نبأ مفارقة الشاعر الكبير محمود درويش للحياة. كان الأستاذ خالد خليفة المذيع في الـ"بي بي سي" البريطانية أول من نقل إليَّ الخبر الصاعق عبر الهاتف طالباً ــ والأسى يغمر كلماته الهامسة ــ أن أقول شيئاً عن هذا الشاعر الكبير، الذي ملأ حياتنا بوجوده شعراً جميلاً ونثراً بديعاً ومواقف لا تنسى. صدمني النبأ، زلزلني، اعتبرته خبراً مختلقاً لا أساس له من الصحة، إذ كيف تغيب الشمس في رائعة النهار، وكيف يتوقف نبض الشعر فجأة.

أتذكر أن الأخبار كانت تحمل إلينا بين حين وآخر أن قلب محمود يعاني، وأنه دخل المستشفى، لكنه كان دائماً يغادر المستشفى صحيحاً معافى، وبقوة إيمانه أولا ثم بالشعر ثانيا يتغلب على معاناة قلبه المهموم والمسكون بأكبر قضية تؤرقنا جميعا، لذلك أكرر القول إنني لم أصدق ولم أقبل بالنبأ الصاعق الذي يقول أن محمود درويش قد فارق الحياة. ثم إذا صح النبأ وثبت أن محمود فارق الحياة، فماذا يمكن للكلمات أن تقول عن شاعر كبير ملأ حياتنا بإبداعه، وكان واحداً من أهم شعراء العربية في النصف الثاني من القرن العشرين. نعم في هذه اللحظة الحزينة, لحظة وداع الأمة العربية للشاعر الكبير شاعر القضية وشاعر الشعر في أصفى تجلياته ماذا يمكن أن يقال، وكيف تستطيع الكلمات المرتبكة أن تودعه أو ترثيه؟!
رحل إذاً محمود، رحل شاعر القصيدة العربية في صورتها الحديثة القادرة على إقامة الجسور بين الشاعر والقارئ، بين القصيدة والجمهور.

رحل لكنه يعرف قبل قرائه وأصدقائه أنها غيبة مؤقتة عابرة أو معبر لخلودٍ وحضورٍ دائم كثيراً ما حكى عنه في شعره, بل اختصره ببلاغة حين وضع عنوان أحدث كتبه (في حضور الغياب)، ولكي نتأمل العنوان أولاً ونقف عنده طويلاً، وهو: "محمود درويش في حضرة الغياب" ونتساءل: هل كان محمود من خلال اختياره لهذا العنوان المثير يستشعر قرب الرحيل؟ سؤال يشغلني ولا بد أن يشغل الكثيرين الآن، أكثر من أي وقت مضى، بعد أن صار محمود درويش حقاً في حضرة الغياب، لكنه غياب يؤكد الحضور، بل الحضور الأكبر وأعني به حضور محمود في شعره وفي مواقفه وفي كتاباته وفي إنسانيته، تلك التي جعلت منه واحداً من أحب الشعراء إلى الجماهير العربية، وجعلت شعره وكتاباته تترجم إلى أكثر من عشرين لغة.

ولا أخفي بالمناسبة، أن من آخر أمنيات الشاعر الكبير أن يزور صنعاء، ويمضي بها وقتاً طويلاً يتجول في أحيائها. ويتذكر طفولته في مدينة حيفا، تلك المدينة التي تعاني من الأسر ويعاني منه أهلها الذين ثبتوا في مكانهم كما تثبت البيوت والأشجار في مكانها لا تتزحزح، انتظاراً لزمن قريب يعود فيه من هاجر من أهلها وفي مقدمتهم شاعرها الذي ظل يحن إلى ربيعها الجميل:

مر الربيع بنا
لم ينتظر أحداً
لم تنتظرنا عصا الراعي
ولا الحبقُ.
غنّى، ولم يجد المعنَى
وأطْرَبَه
إيقاع أغنية ضاقت بها الطرقُ.

سلام الله عليه وطاب حياً وميتاً, ولا عزاء لفلسطين التي يتقاتل أبناؤها بخناجر أعدائهم من أجل الفوز بسلطة وهمية هي إلى سراب الصحراء أقرب منها إلى أي شيء آخر.
الشاعر علي المقري في روايته الأولى "طعم أسود.. رائحة سوداء":

صدرت هذه الرواية البديعة للشاعر الناقد علي المقري، عن دار الساقي في بيروت, وهو يتناول فيها جوانب من حياة شريحة مهمشة في واقعنا هي شريحة الأخدام، وما يعانونه من حرمان وصعوبة في الاندماج في المجتمع الذي ظل إلى وقت قريب عرضة للفوارق التراتبية والامتيازات العفوية. الرواية عمل فني بديع، وهي الأولى من ثلاثية تتناول واقع الفئات المهمشة في هذه البلاد.

تأملات شعرية:

هل اختاره الموت
أم حملته القصيدةُ
فوق بساطٍ من الضوء والكلماتِ
إلى عالمٍ ليس يقتتل الأهلُ فيه
ولا الأصدقاء؟!
يا رفيق المحبةِ والشعر
ماذا رأيتَ هناك؟
وكيف الحياةُ بعيداً
عن الحزنِ و"الأعدقاء"؟!

22-8-2008

 

 

 

محمود درويش، الحضور والغياب

بسام الهلسه

ربما لم يحظ شاعر عربي، منذ شاعر العربية الأكبر، "أبي الطيب المتنبي"، بما حظي به الشاعر الراحل "محمود درويش" من حضور وانتشار...
ولم تكن القضية الفلسطينية  - بما لها من مكانه نافذة في الاهتمام والوجدان العربي- هي السبب الوحيد في هذا.. فقد سبقه وجايله ولحقه، شعراء فلسطينيون آخرون لم يحظوا بما حظي به درويش، رغم ما تركوه من علامات مميزة على دروب الشعرية الفلسطينية والعربية منذ ثلاثينيات القرن الماضي أمثال: إبراهيم طوقان، عبدالرحيم محمود، عبدالكريم الكرمي (أبي سلمى)، هارون هاشم رشيد، كمال ناصر، فدوى طوقان، يوسف الخطيب، معين بسيسو، سلمى الخضراء الجيوسي، حنا أبي حنا، عبدالرحيم عمر، توفيق زياد، سميح القاسم، أحمد دحبور، وليد سيف، محمد القيسي، وعز الدين المناصرة...

كما لم تكن "الحداثة الشعرية" أيضاً هي السبب في هذه المكانة، فلقد تجاوز درويش –وهو من الجيل التالي لرواد الحداثة الشعرية العربية (بدر شاكر السياب، نازك الملائكة، صلاح عبدالصبور، أدونيس، أنسي الحاج، توفيق الصايغ، عبدالوهاب البياتي...). منجزهم الشعري بقدرته الدائمة على توفير شَرطَيْ الاستمرارية والتجدد؛ وبقدرته المتميزة على الاحتفاظ بتواصل دائم مع الجمهور العربي الواسع؛
فلم يعان مما عاناه آخرون من نضوب أو تكرار لما سبق، ولا من مدى نخبوي في التواصل.
وكان ذكاؤه، وحرصه الدائم على تثقيف نفسه باستمرار، مع الارتباط بقضية حية كالقضية الفلسطينية، وعدم القطع نهائياً مع الأساليب الشعرية العربية، وتطوير وإثراء لغته وأدواته ومعالجته لموضوعاته، هو ما أبقاه متواصلاً بقوة مع جمهور متفاعل كبير، في الوقت الذي انحسر فيه كثيراً في الآونة الأخيرة جمهور الشعر العربي، خصوصاً في زمن "قصيدة النثر" التي، ورغم طرقها لمناطق وموضوعات شعرية جديدة، وبلغة هامسة غالباً –لا مِنبرية- لم تقدم (باستثناء بعض الأسماء، أبرزها محمد الماغوط) أصواتاً تبلغ ما بلغه شعراء "قصيدة التفعيلة" التي تمردت عليها، من حضور، ولا ما بلغته الشعرية العربية الحديثة والمعاصرة منذ حركة الإحياء وشاعرها "محمود سامي البارودي"، مروراً بالتقليدية المحدثة (شوقي، حافظ، الزهاوي، الجواهري، خليل مطران ...) والرومانسية التي عمت الوطن والمهجر (بشارة الخوري، إبراهيم ناجي، أحمد زكي أبو شادي، جبران خليل جبران، إيليا أبو ماضي، علي محمود طه، الصافي النجفي، إلياس أبو شبكة، عمر أبو ريشة، أبو القاسم الشابي، بدوي الجبل، محمود حسن إسماعيل، وسعيد عقل...).

* * *

فبعد إتكاء درويش في دواوينه الأولى على موضوعات وطنية وعاطفية قدمها بلغة غنائية رومانسية مباشرة، فإنه سرعان ما أسس صوته الخاص المتفرد بعدما تجاوز مؤثرات نزار قباني والسياب والبياتي، واشتق لنفسه معجماً وموضوعات وأسلوبية وصوراً رسخت مكانته الشعرية كأحد الكبار المجددين في الشعر العربي.
وإذا كان مديناً –في انتشاره في السنوات الأولى- للاهتمام الذي أبداه أديبان كبيران (يوسف الخطيب، وغسان كنفاني) بشعر وأدب "الأرض المحتلة" في أواسط الستينيات من القرن الماضي، ولإعلام الثورة الفلسطينية المعاصرة وشبكة علاقاتها العربية والدولية الواسعة، ثم للنقاد والاعلام المصري المهيمن (بعد حرب حزيران –يونيو 1967م) الذي عمم وروج صفة "شعراء وأدباء المقاومة"، فقد عمل درويش على تطوير بنائه الخاص باستمرار، خصوصاً بعد مغادرته الأرض المحتلة إلى القاهرة أولاً ثم إلى بيروت وهما حاضرتان عربيتان كان يصطخب فيها حراك ثقافي عميق ومتعدد التيارات والاختيارات.
وتعين عليه الاحتكاك المباشر بالشعراء، وبالنقاد، والدارسين، والمعلقين، والمثقفين، والفنانين، والجمهور المتنوع فيهما وفي غيرهما من العواصم والمدن العربية التي كانت منشغلة بعدُ بأسئلة الحياة...
في هذا الجو الثري المحتدم، ما كان ممكناً للقضية الفلسطينية -على جلال حضورها-، ولا للحداثة الشعرية التي أصبحت راسخة، ان تكونا كافيتين لمنحه جواز المرور إلى المقدمة... فقد كان لكل شاعر وأديب كبير –ومثقف عموماً- قضيته وحداثته...

* * *

كان هناك –إضافة إلى الرواد- شعراء الخمسينيات والستينيات: سعدي يوسف، ومظفر النواب، وخليل حاوي، وأحمد عبدالمعطي حجازي، وأمل دنقل...
وكان هناك شعراء العالم الكبار الحاضرون بلغاتهم الأصلية أو بترجماتهم العربية: رامبو، والت ويتمان، ماياكوفسكي، بول ايلوار، لوي اراغون، لوركا، نيردوا، ناظم حكمت، وكافافي...
وإضافة إلى هؤلاء، كان الشعر العربي القديم في عصوره المختلفة، قد جرت إعادة قراءته وتقديمه مجدداً على نطاق واسع، ناهيك عن شعراء "المحكيات" العربية الكبار –خاصة في مصر ولبنان والعراق- الذين تمردوا على القوالب القديمة، وقدموا مساهماتهم الإبداعية التي حملتها "الكاسيتات" وأذاعتها الأغاني...

لكن "محموداً"، بانشغاله المثابر على أدواته وموضوعاته وأسلوبه ولغته وصوره، وبحرصه على إيقاعات الشعر العربي -التي هجرها شعراء "قصيدة النثر" غالباً- وبغزارة انتاجه، تقدم إلى المقدمة.. ومن المقدمة إلى ما بعدها.. غير متوقف عند حدود ما أنجزه.. لـ"كي يظل الأمام أمامنا" حسبما عبر في إحدى قصائده.. أو لـ"يصعد إلى السماء ثم إلى فوق!" كما كتب ذات مرة الصديق الشاعر "نزيه أبو عفش" في عبارة مجازية...

* * *

وإذا كانت الأغلبية، من النقاد والدارسين والشعراء العرب، تقر بمكانة وجدارة درويش الشعرية، فإن بعض الأسئلة جديرة بأن تطرح حول صور ورموز فلسطين والفلسطينيين في شعره.. فرغم خصوبتها وتأكيدها على الهوية والحضور الإنساني الحي في مواجهة التغييب والإلغاء الإسرائيلي، فقد غابت عنها صورة الفلسطيني المقاتل من أجل الحرية ضد الاحتلالين البريطاني والصهيوني، وهي الصورة التي وسمت مسار التاريخ الفلسطيني الحديث والمعاصر بعلاماتها، مع ملاحظة حضوره –أي الفلسطيني- كضحية، أو قتيل، أو شريد...
ولا يفسر هذا الغياب بقول البعض ان الأديب أو الفنان ليس مدعواً إلى تبني الثورة المسلحة، فهذا ما ينفيه السلوك الشخصي والتعبير الأدبي معاً، لأدباء وفنانين عالميين كبار، ولأدباء وفنانين فلسطينيين (عبدالرحيم محمود، غسان كنفاني، ناجي العلي...الخ).

يمكن القول بأن درويش –الذي كان مع المقاومة "الثقافية" و"الحضارية" و"الإنسانية"- لم يكن مؤيدا" للكفاح المسلح" كسبيل لنيل الحقوق، وهو ما يعرف من تأكيده على النضال الفلسطيني كـ"حركة استقلال" (وليس حركة تحرير شعبية مسلحة) تسعى لحشد التأييد العالمي والضغط على الإسرائيليين –سلمياً- "لقبولنا والاعتراف بنا وبحقوقنا".
وفيما بدا شعره (خصوصاً منذ ديوانه "تلك صورتها وهذا انتحار العاشق") غريباً بالنسبة لمقاتلي الثورة -وللفئات الشعبية الفلسطينية عموماً– التي كان العراقي "مظفر النواب" والمصري "أحمد فؤاد نجم"، أقرب إلى فهمها ومزاجها، فقد رحبت معظم أوساط الطبقة الوسطى المتعلمة بشعره وتقبلته.. وهي أوساط تبغض الاحتلال حقاً وتتمنى الخلاص منه، وتحب فلسطين بصدق، لكنها غير مستعدة للتضحية من اجلها والمساهمة في تحريرها واستردادها بأكثر من نشاط ثقافي أو اجتماعي...
ومع احتفاظها بعواطف وطنية، وحرصها بخاصة على تأكيد هويتها ورموزها العربية الفلسطينية، فإنها معنية أكثر بالحفاظ على وضعها (وأوضاع عائلاتها) وتحسين مستواها المعيشي. هذه الطبقة –غالباً- ومثيلاتها في دمشق وعمان وبيروت، هي "المتداول" لشعر محمود درويش الذي رأت أنه يمنحها نوعاً من التعويض والعزاء عن "وطنيتها المشتهاة" من جانب، ويتواءم مع "أسلوب حياتها المطمئن" من جانب آخر.

أما السؤال الآخر فيتصل بمدى تفاعل درويش مع القضايا العربية، التي بدا تواصله معها- وتعبيره الشعري والأدبي عن هذا التواصل- "محدوداً"، مع تنقله ومعايشته المديدة للعديد من الأقطار والمدن العربية (رغم انه ليس ضرورياً العيش في دول لتبني قضاياها).
وتبدو لنا هذه "المحدودية" مفارقة، بالمقارنة مع أدباء وفنانين فلسطينيين آخرين (توفيق زياد، يوسف الخطيب، ناجي العلي كأمثلة) أو عرب (عبدالرحمن منيف، غالب هلسا، مظفر النواب كأمثلة).
هذا يعني أن نوعية "الموضوعات" و"الانشغالات" إنما يحددها "فكر" الأديب و"مواقفه" بالدرجة الأولى..
ومن هذه الناحية كان درويش "أسير" الموضوع الفلسطيني، مع ادراكنا لأهمية ومركزية هذا الموضوع (فلسطين) في الشأن العربي، ومعرفتنا بالمدى الإنساني الذي رفعه إليه وعالجه به درويش.

* * *

إذا كان جسد الـ"عاشق من فلسطين" –درويش- قد رحل وغاب بعدما "ملأ الدنيا وشغل الناس" لأكثر من أربعين سنة؛
وإذا كانت مواقفه وآراؤه السياسية قد أثارت الجدل والاعتراض أو الرفض، وكذا مسلكه الشخصي في عدم تقبل أي نقد يوجه إلى مواقفه أو شعره؛
فإن شعره الذي لم يحظ شعر عربي حديث ومعاصر بما حظي به من اهتمام وانتشار كما قلنا من قبل، سيظل باقياً تتوارثه الأجيال...
وسيحتفظ ديوان الشعر العربي لـ"محمود درويش" بمقام عالٍ يليق به بين شعراء العربية الكبار عبر كل العصور..

منذ "الملك الضليل" -إمرئ القيس- وحتى الآتين في الغد...

* * *

ولأن "على هذه الأرض ما يستحق الحياة"، كما وقع درويش في عبارة بسيطة، عميقة,
فهو يستحق إذن النضال لأجله...
ذوداً عنه.. أو إحرازاً له.

22-8-2008

 

 

 

لـم يعد سراً

غسان زقطان

كان يجلس في المقعد الأمامي وكان يمكن تأمل وجهه من النافذة الجانبية مستغرقاً في قراءة الصحيفة، حينما توقفت السيارة السوداء بانتظار مرور موكب صاخب لعرس قادم من ريف رام الله، ذلك ما كانت تشي به باصات الفورد الصفراء المغبرة والمتعجلة أبداً وسيارات النقل الصغيرة وحافلة ممتلئة حتى الحافة بالأولاد الذين تبرق عيونهم خلف الزجاج، والنساء المخطوفات في غناء كأنه حيلة أو سلم نجاة.
سمح لي ذلك التوقف بأن ألمح من مكاني على الرصيف القريب من زجاج نافذته عنوان المقال الذي يقرأه، وياقة المعطف الكحلي والانسياب الجانبي لوجهه وباقة زهر أصفر ملقاة على المقعد الخلفي.

في ذلك اليوم المبكر من آذار قبل عيد ميلاده بأيام قبل سنتين او ثلاث كان مستغرقاً تماماً في قراءة الصحيفة، بينما عرس ريفي يطلق أبواقه في أحد منعطفات رام الله، قبل أن يواصل طريقه مبتعداً نحو شارع "السهل".
لم أطرق على زجاج النافذة ولم ينتبه لوقوفي، بقيت الحادثة بالنسبة لي مثل سر شخصي لا مبرر له، وكأن مجرد سرده أو افشائه سيفسد المشهد برمته! ولكنه كان كافياً وضرورياً لأن أهتدي فجأة الى أننا نعيش في مدينة يمكن أن تصادف فيها محمود درويش في عبور سريع نحو منزله، أو وهو يصعد متمهلاً الدرجات المؤدية الى مكتبه في الطابق الثاني من مركز السكاكيني، او دخوله المتردد الى مائدته على المقهى وكأنما فاجأ نفسه هناك، أو وهو يتكئ متعباً ومبتهجاً على المنبر في قصر رام الله وخلف ظهره تتراكم العتمة على التلة التي سيصلها بعد أيام محمولاً وخجولاً إلى أبعد حد..!

المطر الخفيف الذي بلل الرصيف والمارة وسيارات العرس والرجل الواقف على الرصيف، محا كل شيء سوى "البروفيل" المستغرق خلف الزجاج الذي واصل مروره الاستثنائي في تلك الصبيحة، كأنما ليؤكد حدوثها، بينما تتبعه في الهواء النظيف باقة مبللة من الزهر الأصفر المشرب بالبياض!

22-8-2008

 

 

ذلك اللقاء في الجزائر

بشير مفتي
(الجزائر)

قلة هم أولئك الشعراء الذين نشعر نحوهم بالدين المعنوي الكبير، من دون أن نعرفهم معرفة قريبة فإذا كتاباتهم كافية لخلق علاقة ما، أكثر قوة من أي علاقة أخرى. علاقة رمزية، في معنى أن ليس لها منفعة مادية مباشرة أو غير مباشرة، علاقة تربطنا بهم في ذلك «المتاع غير المادي» كما يسمي امبرتو ايكو الأدب. كان محمود درويش من القلائل الذين صاحبتنا نصوصهم منذ الصبا حتى اليوم، ولا تخلو بيوت عائلاتنا من أعمالهم الشعرية القديمة والجديدة على السواء يتلقفها القراء على اختلاف مستوياتهم ودرجات فهمهم وتذوقهم للشعر. ولئن كان درويش يملك طريقة خاصة في إلقاء شعره، ما كان يمنحه حضوراً جماهيرياً كبيراً ويخلق مع مستمعيه علاقة سحرية بالغة الانجذاب والاستمتاع، فلا أظن أن شاعراً عربياً آخر كان يضاهيه في جودة الإلقاء وجمالياته، على رغم حداثة شعره، ورؤيته غير الكلاسية لوظيفة الشعر.

لكن درويش بقي إلى حد بعيد ذلك الشاعر النزق، غير المنطوي أو الخاضع لا لتيار المجددين ولا لتيار القدماء. كان كما يعتز بالمتنبي ويعتبره أهم شاعر عربي في مختلف العصور. يتحدث بالسماحة نفسها والصدق نفسه عن شعرية بدر شاكر السياب، أو الماغوط، أو أدونيــس، كما لو أنه كان يرفض أن يضع الشعر في علبة مــقفلة. هو هذا، وليس غير ذلك، كما لو أن الشعر بالنسبة اليه شيء خاص ومختلف ومفتوح وحر ومقيد وإنساني وشفاف وممتع وعارف، يجمع بين ما يظهر لنا متنافراً، ويركب بين ما يخيل إلينا أنه مــتناقض، وقادر على خلق الــسحر والدهــشة باســتمرار متواصل.

أظن أنه الحظ السعيد هو الذي جعلني اقرأ درويش في سن مبكرة، حظ وجود أعماله الشعرية الكاملة في البيت داخل مجلد بغلاف أحمر عليه صورة بالأسود والأبيض للشاعر وقد صدرت عن دار العودة، حينذاك  اكتشفت أشعاره الأولى التي كانت انتشرت لا سيما مع موسيقى مارسيل خليفة وصوته.

كانت قراءاتي للشعر في تلك البدايات الأولى قراءات متذوقة  ومستمتعة، وغير مهتمة إن كان في هذا النص شيء جديد أو غير جديد، ومن دون خلفية ثقافية كبيرة. ولعل هذا ما جعلني أعشق شعره من أول قراءة، أو يبقى تأثيره فيّ متواصلاً على مدار السنوات الآتية. حينما أخذ الاهتمام عندي بالأدب حيزاً أكبر مما تصورت وظننت.
حافظ درويش في الكتابة الشعرية على التجدد باستمرار وكان من أوائل الذين رفضوا الزج بشعرهم في القضية/ وحدها، وما سمي بأدب المقاومة، حيث أدرك أنه الفخ الكبير ألذي سينصب له كشاعر أولاً وقبل كل شيء، ولأنه شاعر تمكن بسرعة من تجاوز نصوصه النضالية والتبشيرية الأولى نحو شعر مفعم بالحرية والحيوية، مثلما كان الأمر في قصائد مجموعته الجميلة «أعراس» وشخصيته المثيرة «أحمد المنفي بين فراشتين»، أو بالارتفاع بسقف القضية إلى ما هو إنساني عميق وجوهري في كل أنحاء المعمورة كما في «ورد اقل» أو تلك القصائد التي لا تنسى أبداً «خطاب الهندي ما قبل الأخير» و «شتاء ريتا الطويل». هنا كان التحول في الشعر ذاته، في القدرة على الحفاظ على إيقاعية القصيدة وتحديثها بالصور والخيالات المجازية البليغة، قدرة تمكن من خلالها درويش على أن يكون الوحيد الذي يضرب أكثر من عصفور بحجر واحد. فلم يكن محسوباً على الشعر الجماهيري اللذيذ والممتع حتماً، مثلما كان الشأن مع نزار قباني، ولا على الشعر النخبوي الذي يفتن ذوي الألباب والنخب الحداثية فقط، مثلما كان الشأن مع أدونيس، كان يجمع بينهما في كليته العميقة والحرة، في ذلك النص الذي يؤثر في القارئ البسيط كما في المتبحر في الشعر والفاهم لأسراره وألاعيبه.

كانت فطنته الشعرية من الصفاء بحيث لم تكن تجعله يلعب لعبة من يجعل من الشعر مجالاً تــحتكره النــخبة فــقط. ومــع ذلك لــم ينــزل بالشعر الى مســتوى البســطاء من العامة الذين لا يغريهم إلا الالتزام بالقضايا الكبيرة أو الحب الــمراهق الجميل. حافظ على الخيط الــذي يــجعله شــاعر الحرية بالمعنى العميق والواســع للحرية.
في الجزائر في قاعة ابن خلدون، وهي قاعة كبيرة وتخصص للحفلات الفنية عادة، وقد غصّت بجمهور غفير للغاية، يتمناه أي شاعر عربي حتما عندما يقف على منبر الشعر، وانتظر الجمهور الغفير أن يقرأ الشاعر قصائد من أعماله الأولى لكن درويش ومن دون أن يعكر صفو الأمسية تلك رفض أن يعود الى الوراء وقال انه سيقرأ شعراً في الحب لأن الحب قضية أيضاً، ولأن الشاعر عاشق من طراز رفيع ومستوى آخر.

لم يحدث قط أن التقيت الشاعر الكبير، لكن لم آسف على عدم لقائه، فهذا الشاعر سكن بيت عائلتي من زمان بعيد، ويسكن الآن بيتي منذ أمد طويل، حياً لا يموت، شاعراً في أتم معاني الكلمة، اقرأه باستمرار شاعراً وناثراً أيضاً. ولن أنسى متعة صفحات «يوميات الحزن العادي» أو «ذاكرة للنسيان» أو «في حضرة الغياب» أو «اثر الفراشة»، فهي ليست محفوظة في رفوف المكتبة فقط ولكن بين رموش العينين وخرائط الوجدان، محفورة في الداخل كزهر اللوز أو أكثر.
درويش الإنسان العزيز وداعاً.
درويش الشاعر الكبير دمت حياً بيننا وإلى الأبد.

الحياة
20/08/2008

 

 

 

ذلك اللقاء في الجزائر

بشير مفتي
(الجزائر)

قلة هم أولئك الشعراء الذين نشعر نحوهم بالدين المعنوي الكبير، من دون أن نعرفهم معرفة قريبة فإذا كتاباتهم كافية لخلق علاقة ما، أكثر قوة من أي علاقة أخرى. علاقة رمزية، في معنى أن ليس لها منفعة مادية مباشرة أو غير مباشرة، علاقة تربطنا بهم في ذلك «المتاع غير المادي» كما يسمي امبرتو ايكو الأدب. كان محمود درويش من القلائل الذين صاحبتنا نصوصهم منذ الصبا حتى اليوم، ولا تخلو بيوت عائلاتنا من أعمالهم الشعرية القديمة والجديدة على السواء يتلقفها القراء على اختلاف مستوياتهم ودرجات فهمهم وتذوقهم للشعر. ولئن كان درويش يملك طريقة خاصة في إلقاء شعره، ما كان يمنحه حضوراً جماهيرياً كبيراً ويخلق مع مستمعيه علاقة سحرية بالغة الانجذاب والاستمتاع، فلا أظن أن شاعراً عربياً آخر كان يضاهيه في جودة الإلقاء وجمالياته، على رغم حداثة شعره، ورؤيته غير الكلاسية لوظيفة الشعر.

لكن درويش بقي إلى حد بعيد ذلك الشاعر النزق، غير المنطوي أو الخاضع لا لتيار المجددين ولا لتيار القدماء. كان كما يعتز بالمتنبي ويعتبره أهم شاعر عربي في مختلف العصور. يتحدث بالسماحة نفسها والصدق نفسه عن شعرية بدر شاكر السياب، أو الماغوط، أو أدونيــس، كما لو أنه كان يرفض أن يضع الشعر في علبة مــقفلة. هو هذا، وليس غير ذلك، كما لو أن الشعر بالنسبة اليه شيء خاص ومختلف ومفتوح وحر ومقيد وإنساني وشفاف وممتع وعارف، يجمع بين ما يظهر لنا متنافراً، ويركب بين ما يخيل إلينا أنه مــتناقض، وقادر على خلق الــسحر والدهــشة باســتمرار متواصل.

أظن أنه الحظ السعيد هو الذي جعلني اقرأ درويش في سن مبكرة، حظ وجود أعماله الشعرية الكاملة في البيت داخل مجلد بغلاف أحمر عليه صورة بالأسود والأبيض للشاعر وقد صدرت عن دار العودة، حينذاك  اكتشفت أشعاره الأولى التي كانت انتشرت لا سيما مع موسيقى مارسيل خليفة وصوته.

كانت قراءاتي للشعر في تلك البدايات الأولى قراءات متذوقة  ومستمتعة، وغير مهتمة إن كان في هذا النص شيء جديد أو غير جديد، ومن دون خلفية ثقافية كبيرة. ولعل هذا ما جعلني أعشق شعره من أول قراءة، أو يبقى تأثيره فيّ متواصلاً على مدار السنوات الآتية. حينما أخذ الاهتمام عندي بالأدب حيزاً أكبر مما تصورت وظننت.
حافظ درويش في الكتابة الشعرية على التجدد باستمرار وكان من أوائل الذين رفضوا الزج بشعرهم في القضية/ وحدها، وما سمي بأدب المقاومة، حيث أدرك أنه الفخ الكبير ألذي سينصب له كشاعر أولاً وقبل كل شيء، ولأنه شاعر تمكن بسرعة من تجاوز نصوصه النضالية والتبشيرية الأولى نحو شعر مفعم بالحرية والحيوية، مثلما كان الأمر في قصائد مجموعته الجميلة «أعراس» وشخصيته المثيرة «أحمد المنفي بين فراشتين»، أو بالارتفاع بسقف القضية إلى ما هو إنساني عميق وجوهري في كل أنحاء المعمورة كما في «ورد اقل» أو تلك القصائد التي لا تنسى أبداً «خطاب الهندي ما قبل الأخير» و «شتاء ريتا الطويل». هنا كان التحول في الشعر ذاته، في القدرة على الحفاظ على إيقاعية القصيدة وتحديثها بالصور والخيالات المجازية البليغة، قدرة تمكن من خلالها درويش على أن يكون الوحيد الذي يضرب أكثر من عصفور بحجر واحد. فلم يكن محسوباً على الشعر الجماهيري اللذيذ والممتع حتماً، مثلما كان الشأن مع نزار قباني، ولا على الشعر النخبوي الذي يفتن ذوي الألباب والنخب الحداثية فقط، مثلما كان الشأن مع أدونيس، كان يجمع بينهما في كليته العميقة والحرة، في ذلك النص الذي يؤثر في القارئ البسيط كما في المتبحر في الشعر والفاهم لأسراره وألاعيبه.

كانت فطنته الشعرية من الصفاء بحيث لم تكن تجعله يلعب لعبة من يجعل من الشعر مجالاً تــحتكره النــخبة فــقط. ومــع ذلك لــم ينــزل بالشعر الى مســتوى البســطاء من العامة الذين لا يغريهم إلا الالتزام بالقضايا الكبيرة أو الحب الــمراهق الجميل. حافظ على الخيط الــذي يــجعله شــاعر الحرية بالمعنى العميق والواســع للحرية.
في الجزائر في قاعة ابن خلدون، وهي قاعة كبيرة وتخصص للحفلات الفنية عادة، وقد غصّت بجمهور غفير للغاية، يتمناه أي شاعر عربي حتما عندما يقف على منبر الشعر، وانتظر الجمهور الغفير أن يقرأ الشاعر قصائد من أعماله الأولى لكن درويش ومن دون أن يعكر صفو الأمسية تلك رفض أن يعود الى الوراء وقال انه سيقرأ شعراً في الحب لأن الحب قضية أيضاً، ولأن الشاعر عاشق من طراز رفيع ومستوى آخر.

لم يحدث قط أن التقيت الشاعر الكبير، لكن لم آسف على عدم لقائه، فهذا الشاعر سكن بيت عائلتي من زمان بعيد، ويسكن الآن بيتي منذ أمد طويل، حياً لا يموت، شاعراً في أتم معاني الكلمة، اقرأه باستمرار شاعراً وناثراً أيضاً. ولن أنسى متعة صفحات «يوميات الحزن العادي» أو «ذاكرة للنسيان» أو «في حضرة الغياب» أو «اثر الفراشة»، فهي ليست محفوظة في رفوف المكتبة فقط ولكن بين رموش العينين وخرائط الوجدان، محفورة في الداخل كزهر اللوز أو أكثر.
درويش الإنسان العزيز وداعاً.
درويش الشاعر الكبير دمت حياً بيننا وإلى الأبد.

الحياة
20/08/2008

 

 

 

محمود درويش: الشعر هو القضيّة

حازم صاغية
(لبنان)

كان محمود درويش للوطنيّة الفلسطينيّة ما كانه شعراء قلّة لقضاياهم. في الخانة هذه تندرج أسماء كوليم بتلر ييتس حيال إيرلنديّته، وحاييم بياليك تجاه يهوديّته. فشعر درويش ينقل الشجن الفلسطينيّ وترجيعاته الإيقاعيّة والغنائيّة كما يملك عنصر اللوحة في رسمها حياة الفلسطينيّين وبؤسها، منطوياً على طموح الى تعميم مأساتهم إنسانيّاً، أو رؤيتها في سياق مآسي البشر والتاريخ عموماً. بيد أن شعره ليس من الصنف الانتصاريّ، ولا هو من المكابرات الزجليّة والنضاليّة التي سادت طويلاً الشعر العربيّ، ومنه الفلسطينيّ، والتي لا تزال تحتلّ رقعة بارزة فيه.

والحقّ أن علاقة التجانس بين درويش وقضيّته استمرّت في الزمن على شكل تلازم. فعندما شاءت القضيّة، ، تحديث نفسها وكسر عزلتها عن العالم في همومه وشواغله، بات درويش شاعرها غير المنازَع. ذاك أن قصائد هارون هاشم الرشيد أو ابراهيم طوقان، ومن بعدهما شعر الشعراء المنبريّين الذين جايلوا درويش، لم تعد قادرة على مواكبة «القضيّة» في طورها الجديد هذا.

وفضلاً عن خصوصيّة شعره، كان ما أهّل درويش لهذه المهمّة خلفيّة من النوع الذي نأى بنفسه عن الضيق القوميّ، واختبار انسانيّ وشخصيّ لعلاقة الأفراد العرب واليهود بعيداً من سياسات الجماعات المتناحرة.وعموماً، صار درويش رمز الهويّة الفلسطينيّة ومعاناتها على نحو لم يبلغ إليه إلاّ ياسر عرفات، ويصعب أن يبلغ أحد إليه بعدهما. وفي مواكبته تحوّلاتها، واكب جنوحها إلى السلم الذي كان أحد مهندسي حساسيّته، مبتعداً عن المزاعم الكبرى والادّعاءات المُسمّنة. فهو في معارضته اتّفاقات أوسلو، لم يوغل في نقدها سياسيّاً، وكان أقرب الى معارض إجرائيّ و«تفاوضيّ». بيد أنه ذهب بعد ذاك إلى رام الله حيث أقام. ومنذ عقدين ودرويش يكتب، بشتّى الصيغ، عن حقّ الفلسطينيّ في أن يعيش حياة عاديّة و «يحتسي قهوته». فـ «نحن نحبّ الحياة إذا ما استطعنا إليها سبيلا». وفي ذلك أقام إقرار عميق بأن القضايا، مثل أيّ شيء آخر، محكومة بتاريخ وأطوار، وأن «سجّل أنا عربي» غدت طوراً وراءنا. وفي هذا، وفي غيره، شكّك عميقاً بالنزعة البطوليّة التي شاء البعض، خصوصاً بين العرب غير الفلسطينيّين، أن يسمّروا الفلسطينيّ فيها.

فحينما قصد حيفا، أواسط العام الماضي، بعد 35 عاماً من غياب قسريّ، هاجمه كثيرون، في عدادهم حسّاد، وبينهم خاطفو قضيّته الذين يصرّون على ردّها إلى ما قبل «سجّل أنا عربي»، إن لم يكن إلى ما قبل بدر وأحد.

وتبلغ دراما التلازم ذروتها إذ يتزامن موت محمود درويش مع حرب غزّة الأخيرة. فما بين تفتّت «الشعب» عائلاتٍ محاربة، ، تموت القضيّة أيضاً.

لكنْ يبقى من محمود درويش الشاعر الذي كانه. وهو شيء كثير حدسه هو نفسه منذ غدا الموت والحياة هاجسه الأوّل

الأربعاء أغسطس 13 2008

 

 

 

غياب مخيف

عناية جابر

جزعت لرحيل محمود درويش. كنت في الولايات المتحدة، وكان يرقد مريضاً في احد مستشفياتها، وما علمت، حتى جاءني خبر غيابه الأخير، رغبة منه في تذوّق سكون الموت، فعرفت سرّ كوابيسي التي أثقلت لياليّ الأميركية. موت شاعر وسيم، مشدود جسده كرمح صعقني. شعرت بالحرج من رحيله المباغت، وداهمني حداد زائغ، منعزل، متفكك. تمرنّا على الموت، نتحمله بسكون في كثافة هذا العالم، لكننا نصعق ما زلنا، تتقطع أنفاسنا ونرسل صرخات مكتومة حين يغادر شاعر. مات محمود درويش وانفتحت ثانية، ستائر قلبي كاملة على جسامة غيابه، فالموت تطاول كثيراً وتحدانا في عقر دارنا وقصائدنا، ودّك أساس الكلمات.

لم أكن بالضرورة، قارئة مثالية لشعر درويش، ولم أكن أعرف أيّ المشاعر أبذلها له، وكنت مذنبة قطعاً في فوضى تذوقّي الخاص للشعر، لكنه درويش كان يكمل دورانه، رقصه، وحوله يدور بريق الأنوار، كأنما الأنوار كلها لم تسطع إلا لهدف واحد: التمهيد لغياب عجائبي مخيف، يردم الهواء المتحرك بين الحياة والموت، تلك الهوة الجنونية التي تركتها وراء درويش ذراته المختفية

ماذا ذهب يكتب في العتمة الكاملة! الرجل كثير الشعر، كثير الحب، كثير فلسطين، كثير الأسفار. المتقلبة فتنته في المدن والمنافي. لمن ترك فلسطين كتلاً مزرقّة، بطيء نبضها، منتفخ قلبها ويملأ السواد شوارعها.

ماذا ذهب يفعل وحيداً، من دون فرضية صغيرة جداً، استثناء وحيد، امكانية عودة ما، معلقة في الهواء، أو مطمورة في »البروة« أو في »رام الله«.

موته هجوم إرادة خشنة فظة، تدفقت كريح جليدية على قامته الفارعة، على قصائده وفلسطينه، لا أدري من أيّ شريان اخترقته، أو من أية سماء، ومن أية غفلة، ومنعته من أن يكون، الى أبد الآبدين، شاعراً وسيماً تنساب كلماته بلا انقطاع بين ذرات عالمنا المُضجر.

السفير 20 اغسطس 2008

 

 

 

درويش في حناجر الخليج (1)

احمد الواصل
(الرياض)

محمود درويشيحسب أن محمود درويش الشاعر الثاني بعد منتصف القرن العشرين ممن كان شعره حاضراً بقوة عبر الكتاب مقروءاً ومسموعاً، والحنجرة ملحناً ومغنى بعد نزار قباني.
عرف أول عمل لدرويش مع مرسيل خليفة في شريط: وعود من العاصفة - 1976م، واشتهرت قصيدة: "خبز أمي" و"ريتا والبندقية" ثم تناول قصائد درويش كل من خالد الهبر وأحمد قعبور ثم ماجدة الرومي وأخيراً أصالة.

ويجهل كثيرون عن تجربة غنية للأغنية السياسية والإنسانية والاجتماعية والعاطفية ضمن إطار أغنية القيم التي مثلها كثيرون منهم خالد الشيخ وعارف الزياني وفرقة أجراس بأعضائها الكبار: سلمان زيمان وهدى عبدالله ومريم زيمان وفوزي الشاعر وسلوى.
لقد اختار خالد الشيخ من قصائد محمود درويش خلال مجموعاته الغنائية فترة الثمانينيات الميلادية ثلاث قصائد فيما كان يحضر أكثر من قصيدة في خزائنه التلحينية، ومن تلك القصائد، التي ظهرت بألحانه وغنائه، منذ ثاني مجموعة غنائية "يا عبيد" قصيدة: "عندما كنت صغيراً 1984م" ثم في مجموعته الثالثة: "مدير الراح" قصيدة: "أبيات غزل 1985م" وفي مجموعته الخامسة: "أغنية حب 1987م" - منعتها الرقابة المحلية - وبرغم غنائه قصائد شعراء كثر مثل: علوي الهاشمي، سميح القاسم ونزار قباني.

عاد الشيخ بعد استئنافه إنتاج مجموعات غنائية نهاية التسعينيات الميلادية ليغني قصائد درويش بعد عمله الكبير: "وجوه - 1997م" مع قاسم حداد فغنى في مجموعته "رحلة الغجر: لهم حصة في الولع" قصيدة: "لحن غجري 2003م" ثم في مجموعته اللاحقة "صباح الليل" قصيدة: "مول 2005م" شاركته الغناء هدى عبدالله.
تميزت ألحان خالد الشيخ لقصائد درويش وبما فيها تطور مفاهيم وفكر تلحين القصيدة العربية عند خالد الشيخ مع درويش وسواه، بأنه انطلق من المدرسة التعبيرية، التي تصور المعاني وتكرس مشاعر الطفولة والفرح، تمثل مشاعر المنفى والضياع وجعل البناء حراً في تراكيبه، واستطاع التنقل المقامي والايقاعي معتمداً على موهبة كبيرة تقرأ الشعر بالتلحين.
ففي قصيدة: "عندما كنت صغيراً" ذهب إلى التعبير عن حالة الحلم، وتذكر مرابع الطفولة، والحنين إلى وطن "الهي أعدني إلى وطني عندليب - على جنح غيمة. على ضوء نجمة - أعدني فله ترف على صدر نبع وتل - عندما كنت صغيراً وجميلاً - كانت الوردة داري - والينابيع بحاري - صارت الوردة جرحاً - والينابيع ظماً".

وفي قصيدة: "أبيات غزل" ذهب خالد الشيخ إلى تكريس حالة المعشوق وسيماً وشاعراً، وكل ما توحيه علامات الزهو بالنفس، وكأنها استعادة لنرسيس رمز العاشق نفسه، وعمق الشيخ في ذهاب اللحن إلى حالة تمثيلية ليجلو عن عمق حالة مقابل نرسيس المعجب بنفسه إلى رمزية الأنثى والخصوبة: "وانت خلود النبيذ بصوتي وطعم الأساطير والأرض انت".
وأما في قصيدة: "أغنية حب" يصل خالد الشيخ ذروة الفكر التلحيني فترة الثمانينيات عندما يعيد تسجيل لحظة الفقد إبان كتابة قصيدة درويش على أعقاب هزيمة 1967م المنتهية باحتلال القدس كاملة.

منح الشيخ القصيدة كل قدرته على وضع حالة رامية قصوى متجهة نحو السواد والحداد، عن الاغتراب والمنفى، الدمار والسقوط، يخاطب القدس التي سوف يموت من أجلها ويخلده حبه لها.
"مدينة كل الجروح الصغيرة - الا تخمدين يديّ - الا تبعثين غزالاً إلي - وعن جبهتي تنفضين الغبار - حنيني إليك اغتراب - ولقياك منفى - أدق على كل باب أنادي واسأل: كيف تصير النجوم تراب؟".
حمل خالد أوجاع درويش وطفولته وشبابه وجماله وانهياره..

الرياض
21 اعسطس 2008

 

 

 

طائرُ الزئبق

آمال نوّار
(لبنان/أميركا)

(إلى محمود درويش)

طائرُ الزئبقحملكَ الليلُ إلى جُرحِه المُضيء
لترى كيف حجارة الموتِ تتفتّح
ومن غفواتِها الأَعْمَق
يصحو جناحُكَ القديم.
يا دمكَ
يا حبْرك
يا ناراً من عُشْب
من فوقها بَرْد
ومن تحتها حفيف،
أيّ خشبٍ سيُلامسُ الأسى
دون أن تبريه شَفْرةُ بَرْدِك؟
أيّ ترابٍ...
إذ يتقشّرُ جسدُكَ
صليباً تلو صليب؟

الآن، ها قد دخلتْ عيناكَ الجَبَل
وقدماك حواسَّ الريش،
أخبرني عن لَوْن الريح في اليقظة لا في الحُلْم،
عن معنى أن يكونَ الألمُ أبيضَ رغم الدَّم.
(ما أجملكَ في المجهول)
أخبرني،
كم يلزمنا من نَسْغِ الطُيور لِمَلْءِ غيابِك،
من رقائق حنينٍ سُمْر،
من لحمِ أَمَلٍ، ولُبَابِ قُبَلٍ، وبكاراتِ صَمْت؟
ومن أين لنا بَعْد بذاكَ الحليب الأزرق
حين كان لعابُ قلبِكَ يسيلُ في الحديد؟!

سنصغي إلى كلماتِك عبْر الضوءِ والموج،
ألم يكنْ صوتُكَ رحلةَ النَسْغِ في الجُرْح،
ومعانيكَ، العاصفةَ العميقة،
حيث الفؤوس بجَماجِم وَرْد.
سنتفاقمُ بك
غيمةً فوق غيمة
جناحاً فوق جناح
وبأحشائنا الفاغرة ننتظر،
ولن يغوينا نهرٌ يَفْلَتُ جَسَدُه من يدِه،
ولا جبلٌ يقومُ على فكرة مِطْرَقة.
لن تغوينا مرايا لا تتّكىء على هشاشةِ قلْبها.
هكذا دائماً سيهدينا قلْبُكَ،
ذاك الذي في بَرْدِه الأَعْمَق
لايزالُ يُزْهِرُ برتقالُه،
ذاك القلبُ المَجَاز
الذي لا تكلّ أمواجُ صمتِنا من تأويله.

أنتَ الآن في الشجرة التي كنتَ تبحثُ عن ظلّها،
وفي الحَجَر الذي يغنّي عالياً دون يَدَيْك.
أَمِنْ ثقبِ قلبكَ نَفَذْتَ إلى الموت
ومن ثقبِ الموت نفذتَ إلى قلبك؟
أنتَ الآن ماسَةُ الرَماد،
يُخَضِّبُ عينيْكَ أقمارٌ قديمة
وكل ما ابتلَعَتْه الأرض
من دروسِ غُبار،
ويُلطّخُ قلبَك نجومُ بئرٍ
كانتْ تغلي في محاجِرها
قبل أن يُطْفِئها الليلُ بمنقاره.
ولن يعْييكَ بَعْد، خريرُ الظَمَإِ الأَسْوَد،
ستشربُ بقشّةٍ ما لم تشرَبْه بعينيْك،
وبفمكَ ستقبضُ على طائر الزئبق.
هكذا، دون صَمْتٍ، دون كلام،
دون نارِكَ المقدّسة،
ستحيا بهذا الضوء الجوفيّ لغةً بيضاء،
حيثُ المعرفة قَعْرٌ لا يَسقفه تِيْه،
حيثُ العين تطفو على نظرتِها
والزائل توأمُ الأزليّ.

ما أجملكَ في اليقظة،
لحظةُ انخطافِكَ لم نَرَكْ من كثافة رؤياك.
نحنُ أسيادُ الغياب،
وقد عُدْتَ نواةً بريّةً ترضعُ من حليب الأَزَل.
نحنُ أجدادُ الموت،
وقد جعلتَ في بُطون الشَوْكِ أَمَلاً
يصرخُ ويجوع
ويعبرُ الجسور
من سرابٍ إلى سراب.
نحن أربابُ العَدَم،
وقد بانتْ أكداسُ الحياةِ في زُهْدِك،
يقسو الشريانُ المُمِيتُ على نَفْسِه،
ينفضُ العصافيرَ عن دَمِك
لتبدأََ من بذرةٍ عارية
دورة حياةِ الرُخَام.
نحنُ النِيام،
لا نرى في مرايانا غير عَجَز الضوء
وظَهْر الزمن من أمامنا وخلفنا.
في جمرةِ عَمائِنا نشيخ
وقِشْرتنا بَعْد رقيقة،
ونُسَمّي تلك الفُقاعة الحمراء
فوق رؤوسِنا:
الحقيقة!
نحن الآن لا نراكَ وأنتَ في نبيذِكَ الأنقى،
تهزُّ أجفانَنَا،
جليدَنا،
شعرةَ الحُبِّ الوحيدة
النابتة تحت جلدِنا،
تهزُّ خريفنا المحفوظ في زُجاجات
وصِمْغَ وَحْشَتِنا العتيقة.

يا لعينِ موتِكَ الكبيرة،
يا لتفتُّحِنا المُظْلم وانغلاقِكَ البَرْق.
لم يعدْ يلزمكَ حُلْمٌ لِتحْلَمَ
ولا زيتٌ لحِفْظِ نداوةِ اللُبّ،
لم تعدْ تلزمكَ سوائلُ الحُبِّ تِلك.
ها هي السُنبلة التي أَقْسَمْتَ برأسِها،
ها هي أيضاً خُرَافةُ الطريق،
ها هي الكلمةُ التي يصْعبُ فصْلها عن العَظْم،
وثمةَ أشياءٌ كثيرة غيرها
لاتني تشبُّ من اليَأْس.
لقد وهَبْتَنا مَتاعَكَ كلّه ومضيْت
مُقمّطاً بالأثير
دافعاً أمامكَ عَجَلة القَلْب.

***

21-8-2008

 

 

 

كان يقول: أقرأ مثل النملة

3 شهادات من فلسطين في محمود درويش

القدس المحتلة - وديع عواودة:

أكد ثلاثة نقاد وكتّاب فلسطينيين في أحاديث ل “الخليج” أن الشاعر الراحل محمود درويش نجح في التحليق في فضاء العالمية بعدما خاضت مسيرته الأدبية تحولات كبيرة شكلت مغادرته فلسطين انعطافة مركزية فيها.

واستعرض البروفيسور حنا أبو حنا مسيرة درويش الأدبية وتوقف عند مرحلتها الأولى يوم تربى على المدرسة الواقعية الاشتراكية السائدة في منتصف القرن الماضي والتي شهدت تصويرا للواقع بأبعاده الطبقية مع إبراز الأمل في نهاية القصيدة.

ولفت أبو حنا الذي رافق درب محمود درويش إلى أن الأخير بدأ يكتب في مطبوعات الحزب الشيوعي “الإسرائيلي” وهي المطبوعات المحلية الوحيدة المتاحة وقتذاك التي رأت بغوركي وناظم حكمت وبابلو نيرودا نموذجا للكتابة الأدبية.

وأوضح أن درويش تربى في إطار الأدب الملتزم وتأثر بطلائع الشعر الفلسطيني لإبراهيم طوقان وعبد الرحيم محمود وأبو سلمى وسواهم لافتا إلى أن المدرسة أنبتت قصيدته “سجل أنا عربي” التي افتتح بها ديوانه “أوراق الزيتون” بعد ديوانه الأول “عصافير بلا أجنحة” باكورة أعماله.

ويعتبر أبو حنا أن التحول الأدبي لدى درويش بدأ قبل مغادرته البلاد وبالتدريج محتفظا بأسلوبه الخاص بالشعر والنثر والحافل بالصور والمعاني غير الملقاة على الطريق وأضاف “حتى عندما كتب عن الماء والهواء وجدت لديه أدبا جميلا”.

ويؤكد أبو حنا أن التحول البارز في نتاج درويش ظهر في قصيدته سرحان “يشرب القهوة في الكافتيريا” ويقول إن هذا الموضوع الوطني القومي شهد هذا التحول بصوره الفنية ليشمل نقطة انطلاق أبعد.

ويشير البروفيسور أبو حنا إلى أن درويش قرأ كثيراً الأدب العالمي بنهم ويستذكر أنه أجابه ذات مرة في السبعينات عن سؤال وجهه إليه حول القراءة فقال: أقرأ مثل النملة.

ويلفت أبو حنا إلى أن درويش أخذ في طوره الأخير يبحث عن الغياب قبل حواره الشهير مع الموت في “الجدارية” و”حضرة الغياب” ويقول إنه مضى للبوح الإنساني والتأمل الوجودي ما جعله يحلق في فضاء الشعر العالمي رغم أنه سبق ودخل ساحات الوجودية العالمية في شعره الفلسطيني، وأضاف “في المرحلة الأخيرة صارت قصائد محمود أقصر ومكثفة بعيدا عن القضية الوطنية المباشرة واليومية نحو ما هو أوسع وما يدور حول حرية الإنسان، كفاحه ومجمل حياته”.

وأوضح البروفيسور محمود غنايم أن البساطة في التعبير هي اللغز الذي اهتدى إليه درويش فصار يتوجه للجماهير العريضة بدلا من مخاطبة النخب واعتماد الإشارات الثقافية الخاصة والعميقة، وأشار إلى أن الفقيد ما زال طريا ولم يدفن بعد ولكن ليس من المبالغة القول إنه من أهم شعراء العالم في القرن العشرين مشيراً إلى أنه تبوأ منزلة كبار الشعراء من أمثال بابلونيرودا وأضاف “حينما ستدون الموسوعة الشعرية سيكون محمود درويش واحدا من أهم خمسة شعراء”.

وأفاد الكاتب الناقد أنطوان شلحت أن محمود درويش نجح في التحليق بفضاء العالمية بفضل طاقاته الشعرية غير المحدودة والمفتوحة على آفاق رحبة إضافة لقدرته على خلق حساسية لأي ذبذبات إبداعية.

وأشار شلحت إلى أن درويش هو أكثر الشعراء العرب المترجمين للغات أجنبية وهذا لا يعود لكونه شاعر قضية فحسب، بل لأنه شاعر مرموق وأضاف “ارتبط محمود كثيرا بشعر المقاومة لكنه ظل يحلق بسماء العالمية أكثر من بقية شعراء المقاومة وبذلك شكل الاستثناء عن القاعدة”.
 

الخليج
الأربعاء ,20/08/2008

 

 

 

لم يهيلوا الظلام على قمر الشعراء

عمر شبانة

(Bahram Dabiri-ايران )منذ ستين عاما "يرى" كل ما سيجيء
وكنا نرى معه حلمنا وكوابيسنا
منذ ستين عاما
عصافيره في الجليل بلا أجنحة

بعد ستين كأسا تجرعها واحدا واحداً
بين سجن ومنفى
ترجل هذا الفتى
مثل ما يترجل فرسان ملحمة
يذهبون إلى ساحة الموت
كي لا يباغتهم موتهم نائمينْ

منذ ستين أغنية
ظل يرفع مملكة الشعر
في وطن الأنبياء

ويرفع مملكة العشق
في وطن العاشقين المجانين

سار على الماء
من بئر قريته في البنفسج
والزعتر البلدي
وحتى فنادق باريس

سار إلى أمه:
خبزها ودفاتر قهوتها

ساخر خاسر
ساحر
بالغموض يخبئ أنفاسه

أين يذهب هذا المغامر
في رحلة ستطول
وهل عاد عوليس
يسكن أرض الحضارات؟
"أرض البدايات/ أرض النهايات"
أرضا تسمى فلسطين
أرض القصيدة
أرض الأساطير

أرض الخلودْ

لم يهيلوا الظلام على قمر الشعراء
فهاهو يجلس بين قصائده
ساطعا
يحتسي قهوة العمر ممزوجة بالمزاج الإلهيّ
هاهي أرض قصيدته
ترتوي من نبيذ الإلهات والشعر
كي تمطر الشعرَ في أرضنا شجرا وعصافير
تشعل نارا ونورْ

وأنا من شربت رحيق قصائده
من ثلاثين عاما
أظل أرى شاعرا حاضرا في الغيابْ

وأظل أرى أثرا لفراشته
أتجول في حقله
وسنابل أشعاره
وهو يمضي،
بخفة ظل وحيد،
بضربة نرد،
ونص رماه إلينا
وقال لنا:
أكملوه،
فمن سوف يجرؤ
أن يكمل النص،
نص النصوص،
وأن يضع القافيةْ

سأظل أراه غماما وشعرا
على عرشه في سماء الزمنْ

وأرى في خزائنه ذكريات الدهور
أرى ذكريات الوطنْ

أتذكره في صباح الفنادق
بين صباحات عمان
أذكر قهوته وهو يشكو الزمان
ويشكو برودة هذا المكان وغربته
كان يهذي قرى في فلسطين
يذكر بيروت
يهذي دمشق وبابل، تونس، باريس، والقيروان
وقرطاج،
طنجة، والقاهرة

كان يهذي رماد الفنادقْ
كان يهذي بخمسين عاما من الشعر والأغنيات
كأنْ لم يقل ما أرادْ
- أنت قلتَ الكثير،
أقول له،
أنت قلت الكثير الذي لم يقُلْه سواكْ
• رغم ذاكْ
فأنا لم أقُلْ ما أريدْ
لم اقل قصتي
لم أقل رحلتي
لم أقل غير بيت صغير عن الأم
قلت الكثير عن الموت
لكنني لم أقل غير سطر قصير عن الحب
قلت النساء جميعا
وما قال شعري سوى امرأة واحدة
لم أقل غير بعض الذي كنت أرغب في قوله
لم أقل غير بيت صغير من الملحمةْ
كان ملحمة من ملاحمنا
كان يطلب صدرا ليرضعه من حليب البلادْ
ومضى ليقيم، وحيدا، طقوس روايته الخالدةْ

20-8-2008

 

 

 

الهوية وسؤال المصير في تحولات محمود درويش
قيمة الجمال يجب ان تتقدم على قيمتي الحق والخير

عبد السلام ناس عبد الكريم
(المغرب)

غادرنا الشاعر الكبير محمود درويش وقد شاءت الصدف في المدة الاخيرة التي سبقت وفاة الشاعر ان يحتد النقاش كثيرا حول القصائد الجديدة التي جاد بها الفقيد عل جمهوره وتفردت مؤسسة 'رياض الريس' وصحيفة 'القدس العربي' بنشرها، حيث بد مجر التحولات بارزا في هذا المنتج الشعري الجديد وكان الحديث حول ابعاد النبرة الوجودية التي تتخلله طاغيا في المسامرات النقدية. ولكن لم يكن يجري في الحسبان ان الشاعر سوف يكتب عبر هذه النصوص ولا سيما قصيدته الاخيرة 'لاعب النرد' مرثيته الخاصة التي سيلهج فيها عل نحو غير مسبوق باحاسيس موصولة بكنه الهوية وسؤال المصير. لقد شكلت هذه النصوص الشعرية انزياحا ملحوظا عن مستو السياق الأصلي الذي وسم تجربة الشاعر خلال عقود متتابعة بصفة شاعر القضية، وربطها بأفق انتظار قرائي محدد ينخرط في خط الالتزام. وغير خاف على القراء المتتبعين لهذا المسار الشعري الملتزم ما لابسه من لبوس العقيدة القومية، ومن فورة الوجدان العربي الغاضب الذي احتلت فيه القضية الفلسطينية موقع البؤرة. فكانت المجاميع الشعرية: 'أوراق الزيتون' و'عاشق من فلسطين'، و'آخر الليل'، و'مديح الظل' 1983. ثم كانت القصائد: 'وعاد في كفن'، 'نشيد الرجال'، 'سجل أنا عربي' 'الموت في الغابة' 'رسالة من المنفى' 'أغاني الأسير' 'جواز سفر'، 'الجسر'، 'يوميات جرح فلسطيني'، 'العصافير تموت في الجليل'. (ديوان محمود درويش الطبعة 1981.8). بيد أن حتمية الحركة وشروط التطور في زمن التحولات راحت تملي على الرؤيا طقوسا جديدة استشعرتها من وحي المنعطف التاريخي الجديد، وبفعل الطفرة الوجودية التي آلت إليها الكينونة.
ويعد ديوان 'اثر الفراشة' من بين اهم المجاميع الشعرية الاخيرة التي افصحت عن هذا التحول الرؤيوي من منح راسخ في التمرد والمعاندة الثورية وخط واضح في التعبير عن ثبات الهوية واطلاق صوتها الجهير ال نطاق من الاستسلام لمنطق السؤال حول سر الكينونة التي يطوقها مجاز الهوية ولغز المصير. وفي هذا الديوان يعرض الشاعر من خلال قصيدة له تحت عنوان 'اغتيال' فرضية الصدمة التي قد تعكسها هذه الانزياحات الشعرية عل افاق التلقي الموسومة بالمواقف المسبقة ليس عل مستو القراءة العادية فحسب بل حت عل مستو القراءة العالمة المتمثلة لد فئة النقاد: يغتالني النُقَّاد أَحياناً: يريدون القصيدةَ ذاتَها والاستعارة ذاتها...

فإذا مَشَيتُ على طريقٍ جانبيّ شارداً قالوا: لقد خان الطريقَ وإن عثرتُ على بلاغة عُشبَةٍ قالوا: تخلَّى عن عناد السنديان وإن رأيتُ الورد أصفرَ في الربيع تساءلوا: أَين الدمُ الوطنيُّ في أوراقهِ؟ وإذا نظرتُ الى السماء لكي أَرى ما لا يُرَى قالوا: تَعَالى الشعرُ عن أَغراضه...

يغتالني النُقّادُ أَحياناً وأَنجو من قراءتهم، وأشكرهم على سوء التفاهم ثم أَبحثُ عن قصيدتيَ الجديدةْ! وبرغم هذا التحول الكيفي فقد ظل الشعر عند محمود درويش حت اخر رمق من حياته تركيبا فنيا جماليا كامنا في بنية اللغة اما مقاصد الكلام ومقامات الابلاغ فتأتي في الدرجة الثانية و اللغة هي مأوى الوجود على حد تعبير فيلسوف الوجود هيدغر. ومن ثم فان الادب مؤسسة اجتماعية اداتها اللغة والشاعر نفسه هو عضو في مجتمع ومنغمس في وضع اجتماعي معين. ويتلق نوعا من الاعتراف والتقدير الاجتماعي وفقا لهذا الانتماء. لذا كانت القصيدة عند الشاعر الفقيد عملا فرديا واجتماعيا في وقت واحد. وتنظيما لتجارب لم تقع الا لهذا الفنان العظيم لكنها تنتظم في سياق الاطار ذي الاصول الاجتماعية الذي يحمله ويتخذ منه عاملا من عوامل التنظيم ومن هنا كان على الشاعر أن ينصاع لشرطين أساسيين متلازمين هما: - احترام مواضع (مواقع) المقام الأصلي التي ترتهن بها الرؤيا الشعرية. - الاستمرارية والاستجابة إلى تنامي الرؤيا في انسجام مع امتداد الكينونة ونضوج التجربة الوجودية. إن إدراك صيرورة التفاعل بين هذين الشرطين يشكل المدخل إلى فهم تحولات اللهجة الشعرية في قصائد الشاعر الأخيرة التي توجتها القصيدة الاخيرة 'لاعب النرد' ذلك أن الشرط الأول هو المدخل الطبيعي لفهم تنامي الحس المأساوي المتأصل في الرؤيا الشعرية. أما الشرط الثاني فموصول بنضوج الرؤيا، وبالإيقاع المتسارع لايقاع الوجود. لقد سعى الشاعر محمود درويش في هذه المرحلة التي سبقت وفاته إلى أن يوفق بين هاتين القيمتين الأسلوبيتين، في توازن تلقائي اقتضته طبيعة مذهبه الشعري الذي الذي يمتاز ضمن مدرسة الحداثة الشعرية العربية، بوضع القضية الوطنية والقضايا الإنسانية في صلب اللغة وفي مركز التعبير الشعري لا في هامشه. ولعل من أبرز مظاهر هذا التوافق اعتماد الإهاب الرمزي الكثيف، والاحتفاء بتلوينات الإيقاع الشعري الشفيف. والجامع بينهما على مستوى الأثر القرائي لنصوص هذا الشعر هو التشبع بالقيم الإنسانية المثلى في مستوييها الذهني - الموضوعي المنضبط إلى الأعراف والمقاصد المرجعية، والوجداني - الباطني المشبع بالحس الجمالي. ويتحصل من ذلك أن أداة اللغة هي الضابط الفعلي في تحقيق المقاصد الشعرية. فاللغة محكومة برهان التحول والتجدد ومجانبة النمط والتكرار.

ذلك لأن الادب يجب ان يظل ادبا وان ينطلق في الاساس كتعبير عن قيمة الجمال. وقد يفلح عبر هذا السبيل في استكناه القيم المعنوية ولا يكون الادب كذلك الا اذا حافظ عل الجوهر الذي يميزه عن البحث العلمي او البحث الاخلاقي. والحقيقة ان قيمة الجمال يجب ان تتقدم في الاثر الادبي عل قيمتي الحق والخير وتحظ بتوجيههما. بحيث ان هاتتين القيمتين لا تبدوان الا من خلالها حت لو كان الادب ادبا ملتزما وكان موضوعا في خدمة الجماعة وفي خدمة الانسانية.

في هذا المنحى الادبي المتطور تصّعدت الجذور وجعلته يتجاوز سلطة المرجعي وهيمنة القيم المطلقة ويعمل عل نفيها بواسطة الجديد الذي يحمل في طياته تشكيلا آخر للوعي الأزلي المهيب. وهكذا يغدو الشعر مهتديا بالحدس لأنه يشكل بالنسبة إليه مظهر الحقيقة، ويمثل حرية الوعي. ويلخص هذا الكنه الشعري الموصول بنداء الحدوس، المتحرر من منطق السؤال، المقطع التالي من نص' الحياة... حتى آخر قطرة ' : وإن قيل لي ثانيةً: ستموت اليوم،فماذا تفعل؟ لن أحتاج الى مهلة للرد: إذا غلبني الوَسَنُ نمتُ. وإذا كنتُ ظمآنَ شربتُ. وإذا كنتُ أكتب، فقد يعجبني ما أكتب وأتجاهل السؤال. (ديوان: أثر الفراشة) وقد يتمثل هذا البعد على نحو أجلى وأبلغ أثرا، في نص 'أَثر الفراشة' الذي استعيرت منه تسمية الديوان من خلال تداعيات الرمز الشفيف واعتمالات التشخيص اللماح. يقول الشاعر: أَثر الفراشة لا يُرَى أَثر الفراشة لا يزولُ هو جاذبيّةُ غامضٍ يستدرج المعنى، ويرحلُ حين يتَّضحُ السبيلُ هو خفَّةُ الأبديِّ في اليوميّ أشواقٌ إلى أعلى وإشراقٌ جميلُ هو شامَةٌ في الضوء تومئ حين يرشدنا الى الكلماتِ باطننا الدليلُ هو مثل أُغنية تحاولُ أن تقول، وتكتفي بالاقتباس من الظلالِ ولا تقولُ...
أَثرُ الفراشة لا يُرَى وينتهي الشاعر في قصيدته الأخيرة ' لاعب النرد' إلى أن يصل الأمر كله بانفلات معنى ثابت واسم للهوية، وارتهان مستقبل الكينونة بعشوائية الصدف، كما (لاعب النرد) تتقاذفه ورميته)الحظوظ. حيث تغدو الرمية المتجددة عنصرا حاسما في توجيه الهوية عبر مغامرة المجهول الذي يبدو محاطا عل غير العادة بسمات تراجيدية تجاهر بضعف الكينونة وهشاشتها وبتلخيص المسار في ضربة نرد: أَنا لاعب النَرْدِ، أَربح حيناً وأَخسر حيناً أَنا مثلكمْ أَو أَقلُّ قليلاً ...

مَنْ أنا لأقول لكم ما أقول لكم عند باب الكنيسةْ ولستُ سوى رمية النرد ما بين مُفْتَرِسٍ وفريسةْ .......................
مَنْ أَنا لأقول لكم ما أقولُ لكم، مَنْ أنا؟ كان يمكن أن لا يحالفني الوحيُ والوحي حظُّ الوحيدين 'إنَّ القصيدة رَمْيَةُ نَرْدٍ' على رُقْعَةٍ من ظلامْ تشعُّ، وقد لا تشعُّ فيهوي الكلامْ ... وكأني بالشاعر عبر هذه الغنائية الموسومة بحس الرثاء قد حدس النهايات فتفجرت لديه بوارق السؤال واعقبتها لجلجة الرعود. وارتفع الشعر عبر هذه الالوان الصاخبة ال درجات من السمو المطلق الذي يجاوز لعنة المفارقات وخطية الواقع النسبي ال دوائر التاريخ ومطلقات الوجود.

القدس العربي
19/08/2008

 

 

 

بداية الحكاية

الياس خوري

الياس خوريمات محمود درويش مساء بتوقيت المشرق العربي، وظهرا بتوقيت مدينة هيوستن، حيث اجريت له جراحة في الشريان الأبهر. الجراحة اجريت يوم الأربعاء، ومات الشاعر يوم السبت في التاسع من آب (اغسطس). لحظة موته، سمعنا صوته يخاطبنا من ديوانه 'اثر الفراشة'، قائلا: 'صدقت اني مت يوم السبت/ قلت عليّ ان اوصي بشيء ما/ فلم اعثر على شيئ/ وقلت عليّ ان ادعو صديقا ما/ لأخبره بأني مت/ لكن لم اجد احدا/ وقلت عليّ ان امضي الى قبري لأملأه/ فلم اجد الطريق/ وظل قبري خاليا مني...' وبعد المأتم المهيب الذي اقيم في رام الله، دفن الشاعر قرب المجمع الثقافي، ولم يدفن في الجليل، حيث القبر المشتهى الذي بقي فارغا. وبدأ سيل الكتابة. سمعت صوته من جديد آتيا من 'ورد اقل'، حيث اعلن 'يحبونني ميتا'.

رأينا سيول الحب للميت تتدفق من كل مكان. 'يحبونني ميتا ليقولوا كان منا وكان لنا/ سمعت الخطى ذاتها منذ عشرين عاما/ تدقّ على حائط الليل/ تأتي ولا تفتح الباب/ لكنها تدخل الآن/...فقالوا لماذا تحب النبيذ الفرنسي/ قلت لأني جدير بأجمل امرأة/ كيف تطلب موتك؟/ ازرق مثل نجوم تسيل من السقف- هل/ تطلبون المزيد من الخمر؟/ قالوا سنشرب/ قلت سأسألكم ان تكونوا بطئين، ان/ تقتلوني رويدا رويدا لأكتب شعرا'.

كانت مصادفة يوم السبت اشبه بالرؤيا التي تأتي في المنام. فالشعر لا يشبه سوى المنام الصاحي اذا صح التعبير. يستطيع الشاعر ان يحلم بأنه يحلم، مطوعا الحلم في القصيدة. اما الحكاية فتولد من ارتطام الحلم بالحقيقة، لتبني عالمها الجديد المصنوع من تدفق الخيالي من شقوق الواقعي. منذ جدنا الملك الضليل لم يكتب الشعراء قصصهم، بل تركوا ذلك للرواة. فولدت الحكاية على ضفاف الشعر، هكذا بدأ السرد العربي الكلاسيكي، كحكاية لم يكتبها الشعراء. حكاية امرئ القيس او سيرة عنترة او موت طرفة، لا نجدها في اشعارهم، بل نجد اشعارهم في الحكاية التي لم يكتبوها. لذا بقي الشعر في السرد، وهذا ما يفسر في رأيي الابيات الشعرية في 'الف ليلة وليلة'، التي تأتي كي تقذف السرد الى المعنى.
الموت يوم السبت، والقمر الكامل البهي الذي توشح بالبرتقالي في ليل بيروت يوم السبت الذي تلاه، هما بداية الحكاية الدرويشية، وهي حكاية علاقة خاصة لا مثيل لها في الشعر العربي الحديث بين شاعر وقرائه. لقد كتب الشاعر في 'اثر الفراشة'، بداية محتملة لحكايته، اما حكايته التي صارت اسما آخر لفسلطين، اما فلسطين التي صارت احد اسماء الشعر العربي، فتلك حكاية مفتوحة على الاحتمالات كلها.

في 'ورد اقل'، الذي كان الاشارة الأبرز على التحول نحو مزج الغنائية الذاتية بملحمية جديدة، طلب الشاعر من الذين يحبونه ميتا ان يتمهلوا في قتله، دعاهم الى شرب النبيذ الفرنسي على مائدة موته، واستعار حكاية طرفة، الذي اراد لنفسه الموت وهو يشرب وينزف ويقول الشعر.

القبيلة استعادت شاعرها لحظة موته. انا لا اتكلم هنا عن فلسطين، فشعردرويش صار احد اسماء الوطن الصغير 'كحبة سمسم'، لأنه اكتشــــف كيف يبني حجرمن ارضنا سقف السماء. بل اتكلم عن قبيلة الشعراء والمثقفين، الذين تحلقوا حول المائدة الأخيرة التي صنعها الشاعر. هكذا صار درويش ملكا للجميع كي لا يكون ملكا لأحد، ودخلت حكايته في حكايات الجميع.
قد يجد البعض في هذا استكمالا لمأتم رام الله، الذي كان بديلا من مأتم مفترض في الجليل. وعلى الرغم من مشاركتي مع اصدقاء الشاعر في اصدار نداء من اجل مواراته في الجليل، فانني لم اجد في المأتم ما يثير الغضب. رغم ان الخطب لم تلتزم بوصية الجدارية قال انه سيمنع الخطباء من تكرار ما قالوه عن البلد الحزين وعن صمود التين والزيتون، كما لم يلتزم المشيعون بالمشي صامتين على ايقاع الناي، فأنني وجدت في المأتم شيئا من الالتباس الدرويشي الدائم، وقرأت فيه كيف فرض الشاعر نفسه اميرا للكلام، فأقيم له اكبر مأتم اقيم لشاعر. لقد فرض درويش الشعر والأدب، جاعلا منهما اولوية وطنية.

لم اجد في المراثي المتدفقة ما يثير الحنق، صحيح انه كان يجب التروي قليلا، كي لا يقع البعض في اخطاء عابرة، لكن الأخطاء ليست المسألة، ويجب ان لا تحجب حقيقة ان الموت ادخل الشاعر في حكاية متشعبة، لن تكتمل فصولها.

حتى الهجمات الجارحة، التي نشرتها بعض مواقع الاسلاميين عن شاعر فلسطين والعرب، يجب ان لا تثير الغضب، فهي آتية من موقع من يغار من الثقافة ولا يغار عليها، وهي دليل على تجذر الثقافة الوطنية، وقدرتها على قولبة البنيان الثقافي بلغة النهضة والحداثة. والمضحك ان بعضهم حاول ان يعطي شاعر المقاومة درسا في المقاومة! القبيلة الثقافية اجتمعت حول الشاعر، كي تعيد تأويل حكايتها. وحده درويش، من بين كل شعراء العربية، من يستدعي تأويله، تأويلا لثقافة العرب الحديثة. ان تكون فلسطين، التي صارت اليوم جسد الشعر والشاعر، هي مكان هذا التأويل، فهذه هي البداية في النهاية

القدس العربي
19/08/2008

 

 

 

 

وردٌ أكثر لَكَ اليوم وكل يوم

اسْتَدْرَجْتَ المعنى لِتَرْحَلَ
أَنْتَ الدَّليلُ.. ولن يَدُلَّكَ أَحَدٌ علينا

أحمد الشّهاوي

مِتَّ غريبًا في سريرٍ لَيْسَ لَكَ
فَمَنْ إذن سَينامُ في "سرير الغريبة" غيركَ
أَنْتَ الغريبُ في بلادٍ غريبةٍ، ذَهَبْتَ إليها بَوَسَاطةٍ، كيْ تستقبلَكَ "مريضًا" لا شاعرًا.
كان يمكنُ أَنْ تَظَلَّ في "باريس" صحبة صديقنا المشترك صبحي حديدي، كاتمُ أسراركَ، وناقدُكَ، والأقربُ إليكَ روحًا وفكرًا.
ربَّما كُنْتَ ستبقى ولو لأيام أو أسابيع تُرتِّبُ فيها أعمالَكَ التي حدَّثْتني عنها ذَاتَ يومٍ في الإسكندرية، هذه الأعمالُ الشعريةُ المنجزةُ التي لم تنشرها في حياتِكَ، أذكر أنَّكَ قلتَ لي إنها ثلاثةُ أعمالٍ، أردتَ أن تشذِّبَها وتهذِّبها وتحذفَ منها وتصفِّيها من "الأثقالِ" والشَّوائبِ.
أينها الآنَ، أهي في عمَّان أم رام الله. أيمتلكُ صبحي حديدي نسخةً منها.
أم أنَّك كُنْتَ حريصًا كعادتكَ ألاَّ تُطْلعَ أحدًا عليها.
الآن زادت خُسَاراتي في الحياة. كُنْتُ كلَّما تَأَزَّمَتْ رُوحي عُدْتُ إليكَ.
لن تستطيعَ "البروة" أن تأوي جَسَدَكَ لأنَّها – كما تعلم – زالت من على خريطةِ فلسطينكَ، لكنَّكَ ستكونُ في مكانٍ ما قريبٍ منها.
أُمُّك (92 سنة) تنتظركَ، وأخوك أحمد، والأقرباءُ والأصدقاءُ، وحتَّى الأعداء من الأهلِ الذين حَسَدُوكَ غيرةً من شِعْرِكَ، وكدَّروا حياتَكَ في السنواتِ الأخيرةِ. كُنْتَ تضمرُ غيظكَ وحُزنَكَ وانفعالكَ وتصمتُ. لكنْ عندما فاض كيلُ الحَسَدِ أو قُلْ السِّبَابَ، بدأتَ تعلنُ دونَ أَنْ تُسمِّى أَحَدَهم، كُنتَ أحيانًا تشيرُ أو ترمُزُ حتَّى لا تكشفَهُم وهم يواصلون دونَ خجلٍ. ماذا سيقولون اليومَ، سأقولُ لَكَ يومًا ماذا سيقولونَ ويكتبونَ.
لستَ حِصَانًا وحيدًا متروكًا في الصحراءِ العربيةِ، لكنَّكَ حاملُ السُّؤالِ "لماذا؟"، وغيره من الأسئلةِ، التي ستكبرُ كنجمةٍ تحملُ اسْمَكَ ليبقى في سَمَاءِ الشِّعْر إلى جوارِ جَدِّكَ الذي أحببتَ "المتنبي".
إذْ سيبقى شِعْرُكَ عابرًا للأمكنةِ والأزمنةِ، باقيًا، وشاهدًا على روحِكَ، ومهارتِكَ كصائغٍ عظيمٍ لكونِكَ الشِّعريِّ.
سنملأُ "فراغَكَ" بشعرِكَ، فقد تركتَ ما يشغلُنَا، نستعيدُهُ، ونعيدُ تأويلَهُ، لأنَّه منذ "تِلْكَ صورتُها وهذا انتحارُ العَاشِقِ" حَمَّال أَوْجُهٍ.
تركتَ في كُلِّ مَنْفَى ذكرى، تركتَ قصيدةً. أعرفُ أنَّكَ أنجزتَ ديوانًا عن مدنِكَ – منافيكَ، أَيْنَهُ، أريدُهُ لنا جميعًا، لنعثرَ عليه قبل أَنْ يضيعَ في الزحام.
أعرفُ أن الموتَ لم يكن ليخيفكَ، لكنكَ كنتَ تريد "قليلاً" من الوقتِ لترتِّبَ بيتَكَ الشعريَّ. لكنَّهُ لا يستأذنُ يا صديقي، يباغتُ ويصرعُ.
الآَنَ ستذهبُ إلى من جالستهم يومًا بمستشفاك في باريس: المتنبي، رينيه شار، المعرِّي.
محمود، أَنْتَ غيَّرتَ إيقاعَكَ، فَاسْتَحْقَقْتَ أن نقرأَ قَلْبَكَ الباقيَ ونحملَهُ كطوقِ حمامةٍ.
إنَّكَ لَسْتَ صَفْحَةً تُطوى – بموتِكَ – في كتابِ الشِّعْر..
ولستَ طابعَ بريدٍ تُصْدِرُهُ وزارةٌ فلسطينيةٌ قَبْلَ مَوْتِكَ بأيامٍ.
أَنْتَ قِطَارُنَا، اسْتَقْبِلْنَا ولا تودِّعْ أَحَدًا.
لَكَ أرصفتُكَ ومقاهيكَ وموسيقاكَ ولغتُكَ وكلامُكَ، وأرضُكَ التى ترثُ لغتَكَ الصافيةَ التى جَرّدْتَهَا حتَّى استطاعتْ ذَبْحَكَ وَنَالَتْ مِنْ قَلْبِكَ.
تَركْتَ قَافِيةً لَنَا، فانتظرْنَا.
أَنْتَ الدَّليلُ، ولن يدلَّكَ أَحَدٌ علينا.
هَزَمْتَ المَوْتَ، لكنَّ الهزيمةَ لِمْ تَكُنْ بالضربةِ القاضيةِ، كُنْتَ مُصَارعًا فَذًّا لكنَّه غَافَلَكَ، وَصَرْعَتُه بالنقاطِ.
و"النقاط" كان ينبغي أن تشكِّل جُمْلَةَ النهاية "المفيدة".
النقاطُ لم تمنحك فرصةَ أَنْ تتدبَّرَ أَمْرَكَ. بِأَنْ تختارَ نوعَ الزهور وألوانَها، مودِّعيكَ، المكانَ الذي سَتُدفَن فيهِ، أن تكتبَ وصيتَكَ، أن تأتي إلى الإسكندرية، أن تذهبَ إلى الرباط لتتسلَّم جائزةَ الأركانةِ الدوليةِ. أَنْ وَأَنْ وأن...
استدرجْتَ المعْنَى، لترحلَ
تاركًا أَثَرَ فَراشتِكَ التي طارت أمام عينيك.
اقتبستَ الظِّلالَ مِنْ ظِلاَلِكَ، أَنْتَ المُتَيَّمُ بالِّلعبِ مَعَ الشِّعْرِ، بالانجذابِ إلى البَحْرِ، والنَّوم مع الموسيقى.
"وَرْدٌ أَكْثَر" لَكَ اليوم وكُلّ يومٍ.

 

 

 

 

اسطورة الغرام الصعب

وائل عبد الفتاح
محمود درويش

تسلل محمود درويش وحيدا ... لكي لا يري طقوس استرداد جسده... يحاول الاصدقاء ان يعيدوه ميتا بعد ان فشل في العودة حيا... هناك قبر ينتظر محمود درويش في قرية البروة... تمنعه جدرن مستوطنة اسرائيلية... وقلوب لم تفهم اشعار درويش... شعروا بالغيظ عندما كتب" عابرون في كلام عابر... " و لم يسمعوا قصص عشقه الاول لفتاة يهودية قبلته بدون ان تفتش في بطاقة هويته... لم يسمعوا صوت امه... ولن ينتصروا علي عقدة العدو... انهم صنعوا دولتهم بقوة السلاح... وصادروا الارض و الحياة... وحفروا قبورا لحكايات شعب فلسطين... ؛كانوا يهتفون مع جولدا مائير "لايوجد فلسطينين"لكن صوت محمود درويش اصبح اغنية عبرت الحواجز والاسلاك الشائكة... والاقامة الجبرية و الزنازين... اغنياته خرجت منشورات ثورية... ورسائل حب... واعلانات عن وجود يغتاله العدو الذي اصبح صاحب الارض... ظل محمود درويش صوت الغريب الذي يقلق محترفي الحرب و العدوان... تسلل صوت درويش من تحت ركام الهزائم... ليعلن ان للضحية صوت عذب... ليس صوت العذاب ... بل صوت الحياة.
في شعر درويش ... حكايات غرام... وفاتنات... وازهار مشمش... وسنديانة... وقهوة الام... وحرير الستائر علي نوافذ تسترخي خلفها العاشقات.
هذه اسطورة فلسطين كما سربها محمود درويش... لتكمل اساطير الثوار والمقاتلين... واطفال الغضب و عائلات التشبث بالارض... اسطورة غرام صعب... غرام بالارض المفقودة... جنة عدن المسروقة... وحياة بين الصنوبر و التين لم يستطع الشاعر اليها سبيلا... فظل يفتش عنها ... باخر مايملك.
محمود درويش يتفق مع الموت الآن ... اتفاق علي ان يكون موته هو مناسبة للحياة التي عاش من اجل الوصول اليها.

1

سارق في رحلة الموت

الصور وحدها تفضح الشعراء.محمود درويش لم يكن غاضبا قبل جولته الاخيرة مع الموت.بدا مرتبكا.لم يقرر هل يكمل المفاوضات الي النهاية.أم يستسلم لالعاب الموت معه.هذه المرة وضعه الاطباء في قلب المغامرة... في المرة الاولي(١٩٨٤) توقف قلب محمود درويش دقيقتين.راي فيهما نفسه يسبح علي غمامة بيضاء يستعيد طفولته كلها.عاد من السفر قبل ان تكتمل الرحلة وتألم عندما استعادته الحياة.الم خفيف... تحول في المرة الثانية (١٩٩٨) الي قتال عنيف.رأي نفسه في سجن و الاطباء ضباط شرطة يمارسون طقوس تعذيبه.افاقته الاولي كانت بعد صدمة كهربائية اما بعد تأجيل الموت في العملية الثانية اكتشف ان" الخلود هو الصعب ... البقاء في الحياة الي الابد... عذاب حقيقي... كان مؤهلا للجولة الاخيرة... في لحظة خروجه من الموت الثاني استمتع انه زائر خفيف... بلا خطة شخصية... ولامطالب... ولا احلام كبيرة... رحلته قصيرة ... في زمن مخطوف من العالم... لحظة بلا ارض... ولا بيت و لا عائلة... عليه فيها كتابة ما يجب كتابته قبل ان يذهب الي النهاية... نهاية كتب هو بروفتها حين تخيل لحظة الانفصال بينه و بين جسده... "ولنذهبنّ معاً أنا وأنت في مسارين: أنت إلى حياة ثانية، وعدتك بها اللغة (... )، وأنا إلى موعد أرجأته أكثر من مرّة، مع موت وعدته بكأس نبيذ أحمر في إحدى القصائد... »هذه المرة لم يخدع احد... ترك قبل الرحيل "لاعب النرد".قصيدة وداع للملاعب.حزنها شفاف الي درجة تري فيها ترتيبات الرحلة الاخيرة.
كتب درويش الترتيبات اكثر من مرة... انتظرها... كان علي موعد مع الموت ... هو العابر من بلد ذابت في جغرافية جديدة... والغريب المشتاق الي مدينة تتحمل شاعرا يبني بلدا من كلمات... ويحول مأساة شعبه الي تراجيديا تنافس الاوديسا والالياذة... هارب من موت بلاده الي موته الشخصي بلا خوف... يذهب الي الموت كأنه موعد غرامي... اتصل بالاصدقاء ليلة العملية... همس لهم ... "رعبي كله ان تنجح اعملية واصاب بالشلل... الموت ساعاتها احلي"... الاصدقاء اخفوا لوعتهم : "نريدك ولو مشلولا"... وهو تمدد علي السرير في المستشفي الامريكي... يستعيد ترتيبات الموعد كما كتبها في اخر دواوينه"أثر الفراشة":

<< وان قيل لي ثانيةً: ستموت اليوم،
فماذا تفعل؟ لن أَحتاج الى مهلة للرد:
إذا غلبني الوَسَنُ نمتُ. وإذا كنتُ
ظمآنَ شربتُ. وإذا كنتُ أكتب، فقد
يعجبني ما أكتب وأتجاهل السؤال. وإذا
كنت أتناول طعام الغداء، أضفتُ إلى
شريحة اللحم المشويّة قليلاً من الخردل
والفلفل. وإذا كنتُ أُحلق، فقد أجرح
شحمة أذني. وإذا كنتُ أقبِّل صديقتي،
التهمتُ شفتيها كحبة تين. وإذا كنت
أقرأ قفزت عن بعض الصفحات. وإذا
كنتُ أقشِّر البصل ذرفتُ بعض الدموع.
وإذا كنتُ أمشي واصلتُ المشي بإيقاع
أبطأ. وإذا كنتُ موجوداً، كما أنا الآن،
فلن أفكِّر بالعدم. وإذا لم أكن موجوداً،
فلن يعنيني الأمر. وإذا كنتُ أستمع الى
موسيقى موزارت، اقتربتُ من حيِّز
الملائكة. وإذا كنتُ نائماً بقيتُ نائماً
وحالماً وهائماً بالغاردينيا. وإذا كنتُ
أضحك اختصرتُ ضحكتي الى النصف احتراماً
للخبر. فماذا بوسعي أن أفعل؟ ماذا
بوسعي أن أفعل غير ذلك، حتى لو
كنتُ أشجع من أحمق، وأقوى من
هرقل؟>>

في قصيدته الاخيرة... "لاعب النرد"... اعترف درويش بانه سارق محترف ظل يحاول سرقة نفسه من الجماعة طوال اكثر من 40 عاما( عمره مع الشعر)... سرقة خطرة فالجماعة مهزومة... ومغرمة باناشيده... .كيف يهرب الشاعر من قبيلة تعشقه... انها الحرب الكبري التي حررته و حررت شعره... لم يخجل محمود درويش من هزائمه.الخسارة لاتعيب الشاعر.تمنحه صوتا اصفي.
وقلبا موجوعا لايتحمل المزيد من اللعنات... اللعنة والحب امتزجا دائما في العلاقة بدرويش.هو مثل ام كلثوم نتمرد عليه لكن لا نستطيع الهروب من محبته.

2

مطرب العواطف السياسية

صوت محمود درويش وصلني قبل صورته.استمعت في الجامعة علي شريط كاسيت ملحمته " مديح الظل العالي" عن الخروج من بيروت 1982... اداء درويش يشبه المطربين الكبار... حيث تترك الكلمات حفرا و ندوب علي روحك و جسدك احيانا.مازلت اسمع صوت درويش رغم مرور ٢٠ سنة.مثل الحب الاول او الاكتشاف الاول لمناطق سرية.كانت هذه روعة الشعر وصوته يقتحم الحصون الاولي لكل ما تعلمته... ورغم ان درويش ان عموميا الا انني شعرت انه مكتشف فرديتي الخجولة ... وهي فردية تلهث وراء الالتحاق بجماعة تعرفت علي نشيدها ونشيجها في قصائد درويش.لكنها في نفس الوقت تريد الانفصال عنها.
درويش كان مطرب العواطف السياسية ... لكنه طرب خاص.اختلط في البداية مع اصوات اخري في الكورس الفلسطيني... و سرعان ما انفصل وحده ... بصوت نقل العواطف الي منطقة اعمق... سرق فيها فرديته خطوة خطوة... وسربها الي مغرميه ... الذين لم يكتشفوا سرها الا بعد سنوات طويلة... حينما افشي درويش اسرار السرقة سرا سرا.
عرفت درويش مع سميح القاسم.توأم الشعر الفلسطيني.لكنهما افترقا عندما ادركت ان درويش ليس محترف منشورات ثورية فقط وانه هارب محترف
من اغراء الحبس في قوالب"مغني الثورة"."شاعر القضية"... ورغم عشقه لصوره علي الجدران الانيقة... الا انه يهرب منها... كما هرب من عاشقاته... وبيوته المستقرة ... نسي درويش انه تزوج مرتين .الاولي من الشام وهي ابنة اخت نزار قباني مرشده الاول الي الشعر الحديث و اللغة الراقصة... المحطمة لجمود اللغة والقوافي.والثانية مترجمة مصرية التقي بها اثناد اقامته في القاهرة(1972) حين هرب من الاقامة الجبرية و حصار الحركة داخل فلسطين ... هرب من الحصار والنجاح "المبستر "كما وصفه النقاد وقتها للشاعر الذي كتب "اوراق الزيتون"(1964)و"عاشق من فلسطين" (1969)... لكنه ظل مطالبا حين يخرج من بيته الي مدينة اخي في وطنه بالحصول علي تأشيرة... هرب درويش من الحصار في فلسطين... ولم يرض بحصار الزوجة والبيت في القاهرة... انحاز الي طبيعته فهو يحب الحب نفسه... مغروم بالغرام او كما قال مرة :" احب أن أقع في الحب, السمكة علامة برجي (الحوت), عواطفي متقلبة, حين ينتهي الحب, أدرك انه لم يكن حباً, الحب لا بد أن يعاش, لا أن يُتذكر... "
الحب هو مقامرة تسترعي كل حواس الشاعر... لكن الزواج قيد يساق اليه العاشق بنصف وعي وربع ارادة... ودرويش تغويه الاطارات الاجتماعية الجذابة... كان يستجيب في البداية... يتلذذ بمتعة عمومية ... لكنه يتسلل كما فعل اول مرة مع عائلته ليعود الي ارضه التي اصبح غريبا فيها.
متسلل يخرج حين يرفض الجميع خروجه.وكما لاحقته اتهامات الخيانه لانه خرج من فلسطين الي القاهرة... ظل درويش يخرج من صورة الي صورة و من مدينة الي مدينة و من حالة شعرية الي اخري ... حتي اصبح الخروج اسلوبه في الحياة.
الالفة الاجتماعية مغريةلكنها تقوده الي غربة ... تلو غربة... يهرب من صورة المناضل السجين في زنزانه الي القاهرة... موطن الشهرة في الستينات و السبعينات... لكنه يخون الصورتين مع صورة اخري و يهرب خلف عشق آخر.
جرب درويش العاب الخيانة كلها... خان فرديته و اصبح شاعر القبيلة فترات يغني علي هواها و يجمع جنودها علي ايقاعه العالي... وخان انتظارات الجنود حين نزل من علي صهوة جواد النبوة وكتب عن الحب و الوجود... والفرد الغريب الهارب من قبيلته.
اراد الجمهور ان يسجن درويش في حالة الطرب السياسي... لكنه بعد " ورد اقل" (1986) فتح مدنا جديدة في الشعر... تحولات المنشورات الثورية و البكائيات الي حكايات شخصية جارجة... اساطير صغيرة ... واغنيات لا تسمع طربها عاليا... الجمهور اصر علي اعادة سماع الاغنيات القديمة... الجمهور اتهم المطرب بالخيانة... لكنه لم يرضخ... وقاد الجمهور الي حياة جديدة.

3

عمليه في قلب اسرائيل

"اشم فيك عبير الوطن" هذا ماقاله ياسر عرفات ليجبر محمود درويش للموافقة علي عضوية اللجنة التنفيذية في منظمة التحرير الفلسطينية. موافقة درويش خدشت الصورة الناعمة للشاعر البعيد عن السلطة... كان هذا في 1987 بعد 5 سنوات من خروج الثورة الفلسطينية من عاصمتها المؤقته بيروت.صدمة درويش في خروج بيروت كانت درامية راي فيها تراجيديا النبي يوسف الذي قتله اخوته... تعقدت الماساة الفلسطينية و اصبح الفلسطينيين " يهود العصر" ... صورة درويش و رغم اقترابه من امراء الفصائل الفلسطينية ظلت ناعمة يخفيها المقاتل تحت الوسادة في الجبهة... ويختطف مقولات مأثورة يزين بها محبته للقضية... درويش كان صدم جمهوره وهو يقبل عضوية اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير... ويتحرك كامراء النضال... خشونة درويش مبررة... كان يبحث عن التجربة و الاقتراب من خط النار... كان المنصب يريد التزين بمحمود درويش... واعطاه درويش زينته... لم يبرر خيبات الزعماء... واستقال ليلة توقيع اوسلو ... لانه اكتشف ان الاتفاقيات كابوس صحا عليه الفلسطينين ليكتشفو انهم بلا ماض،.السياسة ارادت محو الماضي الذي حوله درويش الي مخزن شعري ... ودرويش خاف من جنونه علي وقار السياسة ... فانسحب وفشلت الصفقة في ان يكون المنصب هو الظهور العمومي للشاعر الذي تحول الي نجم ... بينما الشعر ... حر في رحلة هروبه... فشلت الصفقة... لكن لعنة المنصب ظلت تلاحق درويش ربما في محاولة لاسترداده الي الجماعة... او املا في صفقة جديد بين السياسة و جنون الشاعر.

الجنون انتصر حتي علي رغبة درويش في المصالحة بين نار الشعر و نار السياسة ... مصالحة تخاف من العزلة في برج بابل... هرب من الابراج الي ميادين واسعة... تجمع فيها عشاق من مراحله المختلفه... ميادين تقبل الشعراء لانهم شعراء اولا... يلعبون و لعبهم يمنح للحياة لذتها الكبري... .عندما اتي للقاهرة كتب مقالا في" الاهرام طالب فيها بنزع صورة الفلسطيني من برواز القضية... عمل في " المصور " حين وصل للقاهرة... وكتب فيها مقالا بعنوان «هل تسمحون لي بالزواج» كتب فيه: «لست بطلاً كما يظن البعض، لست أكثر من فرد واحد في شعب يقاوم الذبح، الأبطال الحقيقيون هم الذين يموتون لا الذين يكتبون عن الموت».

التخلي عن البطولة عمل صعب لم يقدر عليه درويش الذي ظل مطاردا بتهم عن "خيانة القضيةو بيع نفسه للسلطة"... وفي كل مرة يدافع درويش عن نفسه بقفزة اخري ومقامرة اخري ... قفزة الي هوية ارحب... انسانية ... تتراكم فيها طبقات الروح و الذاكرة ... مجمه حضارات... ورموز من كل الديانات... هذه القفزة ابعد من جبهة القتال المباشر... تلك التي جعلت وزير التربية الاسرئيلي... (سنة 2000) يقرر تدريس اشعار محمود درويش... انتصار اعتبره البعض" دليل خيانة"... لكنها بالعكس اكانت عملية في قلب اسرائيل... التي رفض متطرفيها تدريس درويش... وحدهم ادركوا الضربة ... "فهم يدرسون للاطفال ان فلسطين ارض بلا شعب ... واسرائيل شعب بلا ارض... الان سيعرف الاطفال ان فلسطين لم تكن فارغة... والشعر وحده يستطيع اثبات ذلك... يستطيع تحطيم هذه المعرفة" هذا ماقاله درويش... والذي ادركه يهود باراك بحواسه المتطرفة وقال:"ان اسرائيل ليست مهيأة لهذا الشعر".
وهذه حرب في اعادة بناء فلسطين مرة اخري.
حرب كان محمود درويش اول من خطط لها.

4

اشارة من الجنة المفقودة

اكتشف محمود درويش ان امه تحبه في السجن.
اسمها"حوراء" بنت مختار قرية مجاورة لقرية البروة حيث ولد محمود الابن الثاني لرجل يعمل في ارض تملكها عائلته.الاب مسالم وخجول جدا.والاب عصبية جدا وتشاكس في الاب الحزين المتحسر علي الارض... المشاحنات بدات مع الخروج من الارض... ويحكي محمود للشاعر اللبناني عباس بيضون:"... المشاحنات دعتني الي الهروب من البيت ... لكني كنت منحازا لابي ... فامي في طبعها شراسة... كما كانت امي تضربني كثيرا ... وتضربني لاي سبب... وكثيرا ماشعرت ان السبب هو خلافاتها مع ابي وانها تحملني مسئولية هذا الخلاف... تكون لدي شعور بان امي تكرهني ... كان هذا عقدة او شبه عقدة... ولم ادرك ان هذا صحيحا الا حين دخلت السجن للمرة الاولي وانا في السادسة عشرة ... زارتني امي في السجن وحملت لي قهوة و فواكه... واحتضنتني وقبلتني فعلمت ان امي لاتكرهني... "
من هنا خرجت "احن الي خبز امي" لمصالحة الام التي حولت محمود الي الابن المدلل عندما انفصل عن العائلة وعاش في حيفا(حيث اصبح صحفيا و عضوا في الحزب الشيوعي الاسرائيلي المناهض للصهيونية).

القصيدة تحولت الي اغنية جماعية.وام محمود درويش(الجميلة التي تتقن الغناد... واكتسب شراستها عندما تركت الارض و البيت)

الخروج العائلي التقي مع ماساة فلسطين كلها... خرجت العائلة بقيادة الجد... لكنها لم تعد مرة اخري فالقرية اصبحت مستوطنة... والارض ذابت ... وتحول الاب الي عامل زراعي... واطل الجد (الذي لعب دور الاب الحقيقي في ظل انشغال الاب بالعمل في الارض)... علي ارضه من تلة... اصبحت منصة ذكرياته.

اختفي الوطن الشخصي لمحمود درويش في (1948)... واختفت خيوط اتصاله مع يهود عاديين عندما حاصره جيتو المنتصر بعد (1967)... ومع الخروج من حيفا... والسفر باتجاه عواصم اخري و اتساع المدي حرم درويش من العودة خاصة بعد التحاقة بالمنظمة (1973)... ظل يبحث عن فرصة للقاء امه حين اراد وداعها في 2000 (كانت وقتها مصابة بالسرطان)... لكنها فرص ناقصة... يطاردها بالحزن الذي اصبح غريزة ... تعيش تحت غرامه بالملذات و الحياة الناعمة والمعيشة الراقية... ووراء نجوميته و اناقته الدائمة... وخلف متاريس العلاقة مع المتقاتلين علي سلطة هشة.
بالحزن اصبح محمود درويش ملكا من ملوك السخرية السوداء... كان اول من اخترق الاسوار الحديدية التي صنعها العدو... وكسر حائط الثورة ليرسم علي الجدران علامات روبه من الحب القاسي لقبيلته.
هارب ... لا نستطيع الهروب من محبته.
ينام الان منتظرا رحلته الي الجنة المفقودة.
ويتمني لو ارسل من علي غمامته اشارة الي كل الفلسطينيين ليفكون لغز حياتهم... كيف يهربون من مصير الضحية... واساطير الشتات ... الي حياة عادية مألوفة.
متي ستصل اشارة درويش؟

5

عناق الجليل

رغبة محمود درويش في عناق الجليل حملتها رسالة من الاصدقاء... قالوا فيها:"في هذه اللحظات المليئة بالأسى، ونحن نودع شاعرنا الكبير محمود درويش، نرى الحزن مرسوماً على خريطة فلسطين، ونشعر بفداحة الخسارة التي جاءت تتويجاً لزمن الخسارات الذي نعيش.هذا النداء موجّه الى أهلنا في فلسطين الذين كان درويش وسيبقى شاعر الحلم والمعنى في أرضهم. وهو نداء يتعلّق بحقّ شاعر الجليل في أن يعانق أرض الجليل ويستريح في المكان الذي شهد ولادته الشعرية، وملأ قصائده بعطر اللوز والزيتون. يحقّ لإبن الجليل وشاعره أن يُدفن في أرضه، ويجب أن لا يكون في مقدور أحد أن يمنع هذا الفلسطيني الكبير من العودة الأخيرة الى بلاده.
هذا نداء موجّه الى الجميع، كي نعمل معاً من اجل أن تستعيد الأرض جسد كلامها، الذي صار شعراً عظيماً كتبه شاعر عظيم."

التواقيع تحمل اسماءانطون شماس، ليلى شهيد، سليم بركات، مرسيل خليفة، الياس صنبر، محمد برادة، فاروق مردم، صبحي حديدي، عباس بيضون، فواز طرابلسي، الياس خوري، طه محمد علي، انطوان شلحت، حنا أبو حنا، رمزي سليمان، محمد بكري، محمد علي طه، محمد نفاع، سهام داوود.
الرسالة تسعي الي عناق الارض والشاعر... عناق ابدي... يضيف للاسطورة ملح و توابل.

تسعي الي عبور درويش من مرحلة الاجراءات الثقيلة لاستعادة الجسد ... استعادة رسمية لوفد من السلطة الفلسطينية... انها عمية استرداد الجماعة للشاعر ... تعليب في محفوظات ونياشين وطقوس محفوظة و جاهزة... تريد السلطة ان تصبح سلطة به... تضعها علي صدرها و في طوابع بريدها... لكنها تنسب اشعاره حكمته الي قالها لهم بعد ان فقد نصف شهوته للحياة ... عندما منع من القهوة و السجائر،
العاشق في حكمته... كان غاضبا من حروب المهزومين.
ورسالة الاصدقاد تريد له الخروج من العلب المحفوظة للسلطة... ليبقي كما اراد جزءا من اسطورة اسمها فلسطين.

 

 

 

 

محمود درويش... القمر المسجَّى

علي أنيس وهبي

سلامٌ عليكَ يا أيها القمر المسجّى بين يديّ قارئة على شفتي مارسيل وفوق سرير المنفى.
سلامٌ عليكَ يوم ولدتَ... ويومَ تظاهرتَ بالموتِ فولدتَ.
سلامٌ عليكَ يومَ كَتبتَ فكُتِبتَ يومَ قَرأتَ فقُرئِتَ،
سلامٌ عليكَ أنى تُقرأ.
سلامٌ إليكَ كلّما لثمَ قلمٌ خدَّ ورقةٍ،
وسلامٌ كلّما يُفتحُ ديوانٌ لكَ
فيشعُّ نورُ حضورِكَ ويعيدُ الصدى
ترداد القصائد ويشرقُ طيفَ أناقتِكَ،
وتنبتُ بين يديّ كالعشبِ بين مفاصلِ صخرةٍ.
سلامٌ يا أيها المنفي العائد.
شهِدوا على أنكَ غلبتَ الموت
فاهنأ خالداً
مقاوماً في أرض فلسطين
حريةً في ضمائرها
صوت حق في حناجرنا،
حجراً في قبضة الكلمات
و«شاعراً يتمشى في هواجسه».

جريدة الأخبار (اللبنانية) العدد 601 الخميس ١٤ آب ٢٠٠٨

 

 

 

محمود درويش.. لا تعتذر عمّا فعلت

جوان فرسو

ألا تزالُ بقيّتي تكفي لينتصر الخياليّ الخفيفُ
على فساد الواقعيّ؟
كبرنا.
كم كبرنا، والطريقُ إلى السّماء طويلةٌ

بقيّتكَ تكفي لترميم أوردة الجراح السرمدية فوق وجنتي وطنٍ لم يندمل بعدُ، والخياليّ الذي ما زال يحلّقُ فوق أجنحة المرايا والسلالم المؤدية إلى السماء لم يكن يوماً بمستوى تأملاتك.
خفيفاً كنتَ أكثر من لزوم الزوبعة حينما تنتحرُ في ملتقى القرار، وثقيلاً أكثر من ارتياد الفراش لوجنتي عاشق.
كبرتَ.
كم كبرتَ، والطريقُ إلى السماءِ طويلةٌ.
والطريقُ إلى السماءِ لم تعد طويلةً، ها قد وصلت ولم تستأذن بالسّفر، وغدرتنا ورحلتَ يوماً دون أن تأتي لكي تهذي قليلا،
هكذا كان الطريقُ إلى الفضاءِ المخمليّ دوماً طويلا...
من سيجعل ملاعب كرة القدم مسرحاً لأمسية شعرية بعدك؟
حينها... أذكر أن المقاعد الأخيرة كانت للمحظوظين ممن وجدوا فضاءً يقتعدونه، والأمامية كانت للمجانين الذين سهروا ليلة الأمس على جنبات المكان، ولصناع القرار.
أذكر جيداً حينما رفعتُ الوترَ المنقبضَ في إصبعَي يدي اليمنى إليكَ وأنا أهديكَ إشارةَ النّصر.. فقضيتنا واحدة،حينها رفعتَ الوترَ المنقبضَ في إصبعَي يدكَ اليمنى إليّ وأنت تهديني إشارةَ النّصر..فقضيتنا واحدة.

التقينا آنذاك وكأنني أعرفكَ منذ زمن، ولم أكن لأعرفك حينها إلاّ منذ زمن.
ما زلتُ أؤمنُ بعدكَ أن الشعراءَ لا يرحلون إلاّ في الصّيف لأنهم فراشاته التي تحترقُ في صداه...
على من سنقبضُ بعد اليوم بشباك خيباتنا وقد مضيت دونما استئذان؟
لا تعتذر عمّا فعلت.

 

 

 

لا تقتلوه بعد أن مات

موسى حوامدة

هل كان محمود درويش يقبل أن يقال أنه أهم من فلسطين؟ هل حمل محمود درويش فلسطين في شعره ونثره وكتب عنها وعن جبالها وقراها المدمرة وسهولها ومروجها وبحارها، وعن اهلها وشهدائها ومعتقليها ومنفييها ومحتليها ليقال فيما بعد أنه أهم من وطنه؟ أم هل كان محمود شجرة من أشجارها العالية وطائرا من طيورها ونهرا من انهارها، ولونا من خضرتها وزرقتها وعلمها ولحنا من نشيدها وغنائها.

ليس الوقت مناسبا لتسديد الحسابات ولا مقبولا أن يتم تصغير فلسطين ثأرا من نجومية درويش التي فاقت نجومية أي شاعر عربي معاصر، يمكن لنا أن نقول كل شيء عنه، يمكن لنا ان نبكيه بحرقة ونحفظ قصائده وكلماته ونرددها، يمكن أن نهرب من سطوته، أو ننقده، ونختلف معه، ولكن لا يمكن أن نقتله بهذا التمجيد المبالغ فيه، لأنه لم يكن يقبل، ولا نقبل، أن يكون بديلا عن وطنه ولا استعارة مجازية طائشة، تجعلنا نحتفي باللغة ونقيم فيها وطنا، وننسى أن فلسطين أكبر من كل أبنائها ومن مناضليها وقيادييها ومن مبدعيها.
حين صعد نجم راسول حمزاتوف لأنه كتب عن بلاده الصغيرة، لم نقل أنه أهم من داغستان، وحين طار صيت طاغور لم نقل أنه أهم من الهند، وحين حصل نجيب محفوظ على نوبل لم يقل أحد أنه أهم من مصر، وحين ظهر ميلان كونديرا لم يقل أحد أنه أهم من التشيك، ولا قيل ان تولستوي او ديستوفيسكي أو يوفيشنكو او غوركي فرادى او جميعهم أهم من روسيا، ولن يقول احد أن لوركا أهم من إسبانيا ولا أن السياب أو البياتي او الجواهري أهم من العراق، ولا عرار أهم من الأردن، ولا الطيب الصالح اهم من السودان، ولا ولا ....

فلماذا يقال عن درويش وفلسطين ذلك، هل لأن فلسطين صغيرة، وقليلة الشأن، أم لأن شعبها أقل من شعوب الأرض، أم لأنها محتلة ونريد تعويضا، أم لأن درويش أعظم من كل أبناء فلسطين وشهدائها، وأنه كثير عليها، رغم انها حملته ورفعته إلى هذه المكانة.
فلسطين تكبر بأبنائها، وأبناؤها يكبرون بها وبجرحها وبتاريخها وبمعاناتها، وبأصرار شعبها على البقاء، وما أحب الناس محمود درويش لمجرد أنه كان شاعرا فقط، ولا لأنه كان مقربا من ياسر عرفات او من منظمة التحرير الفلسطينية، ولكنهم أحبوه لأنه حمل فلسطين بين ضلوعه، وكان عاشقها وحامل إكليلها وحارس سنديانها، وعرف كيف يحكي عنها وعن أبنائها ويقول ما يفكرون ويألمون ويأملون، وردد اسمها حتى صارت نشيده اليومي.

كان شاعرا كبيرا وقامة عالية، لا شك، لكننا لن نضع أحدا مهما كبر وصار وعلا، بديلا عن بلاده، فهل كان ادوارد سعيد شيئا قليلا؟ وهل كان غسان كنفاني وابراهيم طوقان وإميل حبيبي وتوفيق زياد وراشد حسين وهشام شرابي وابراهيم ابو لغد وناجي العلي وإحسان عباس ومحمد القيسي وفواز عيد، وحسين البرغوثي ، وجبرا ابراهيم جبرا، ونقولا زيادة وعارف العارف وقدري طوقان، وفدوى طوقان، وماجد أبو شرار، وغيرهم بلا أثر؟
وهل يريد البعض أن يقتلوه حبا ومدحا، لكي يقولوا لن تنجب فلسطين سواه، ولن تقوم للشعب الفلسطيني والقصيدة الفلسطينية قائمة بعده، هذا مديح حق أريد به زيف وهجاء.
ستظل فلسطين حية وكبيرة في قلوب أبنائها، ولدى مثقفيها وكتابها وفنانيها، ولدى مناضليها وشهدائها واجيالها، ولن تشعر فلسطين بالصغار والضعف مهما خسرت وخسر اهلها، لأنها تعرف أن درب الحرية طويل ودرب النصر طويل، لكنها لن تخفض رأسها، لو مات منها رئيس او شاعر او مناضل أو قبيلة بأكملها، ولن تستسلم لغير مستقبلها وهويتها وتجديد خلاياها في كل وقت ولحظة، وقد قررت منذ فجر التاريخ ألا تموت.

Musa.hawamdeh@gmail.com

 

 

 

شعر وورد أقل بعدك

أمجد ناصر

لم أسألك منذ باريس عن صحتك إلاَّ باعتباره سؤالا من لوازم الكلام العادي، فأنا أعرف أنك لا تحب الضعف سوى في القصيدة والوردة، وربما في الأم. كثيرون يسألونك السؤال الذي تكرهه، لا لأنك تفضل أن تظل طويلا ونحيلا وانيقا في أهبة الذهاب الى الحفل، ولكنه ضجرك من لائحة أمراضك الوراثية الطويلة وربما غضبك منها، غير أني سألتك آخر مرة تحدثنا فيها بالهاتف. قلت لك: تعرف أنني لم أسألك منذ باريس عن حالتك الصحية، يومها كنت خارجا من غرفة العناية الفائقة، كانت كلماتك التي تتدرب على استعادة ضربات القرار أفشل من أن تقنع سامعا يحفظ، عن ظهر قلب، طبقاتها الصوتية، وبدل الكلام عن الصدر المفتوح رحت تمتدح انفاسا تقع على مقربة من اوجاعك الاندلسية، فخجلت من نفسي ومنك ومن 'صبحي' الذي كان بجانبك على السرير وقررت ألا أقترب من تلك الهشاشة التي ترغب بالاحتفاظ بها، كاملة، لنفسك، ولكن ليس هذه المرة. هذه المرة أريد أن أسألك السؤال الذي لم أسألك منذ باريس، ففعلت (يا للنذير الذي لم التقط اشارته المفزعة) ما لم تفعل من قبل. قلت لي: هذه المرة مختلفة. هذه المرة غير المرات السابقة. لقد جربت الموت سابقا ولم يخفني إلاََّ قليلا. فلم أعرف انه الموت، بل البياض أو القطن المتطاير في سديم لا نهائي. هذا الموت لا يخيفني لأنني جربته ولم يكن يشبه الموت إلاَّ في درجة السبات. يخيفني الشلل. ألا اقف على قدميَّ الاثنتين كما كنت أفعل عندما سندت طولي، أمام المحن، طويلا. ورغم أنني لا امشي كثيرا ولا آكل كثيرا ولا أحلم، كما كنت احلم سابقا، إلا انني اريد خطوتي وقدميَّ ويدي اليمنى التي ترفع سيجارة غير مرئية الى شفتيَّ الظامئتين للنيكوتين والقبل التي كأنها لم تكن. أريد قدميَّ ويديَّ كاملة، وطولي كله وعمري الذي لا أعرف كيف سبقني الى الخريف.

لا أخاف الموت فهو، إن كان مثل الذي رأيته في باريس، لا يخيفني. لأنه أبيض. لأنه قطن متطاير. لأنه سبات عميق. أخاف الكرسي المتحرك أو جانبا واحدا من السرير. فقلت، بعد منولوج طويل لم اسمعه منك قبل ذلك اليوم، لا تخف، فإن كانت حدوس الشعراء صحيحة سنراك كثيرا بلحمك ودمك ولسانك السليط، فضحكت كما يضحك الاصدقاء، وشعرت من رنة ضحكتك التي أضاءت غرفتي القاتمة في لندن أنك أحببت اجترائي على قطع ذلك المتر اللعين الذي ظل يفصل، دائما، بيننا. فقلت لي: لم يعد لساني سليطا، فقلت لك صادقا: يا للأسف، ثم كمن يجيب على الكلمات التي لم أقلها اضفت: تربيتنا الخشنة تمنعنا من التعبير عن عواطفنا. كأنك كنت تقول لي: أعرف أنك تهتم لأمري.

عن ضربة النرد التي كيف لي أن أعرف أنها الاخيرة تحدثنا لآخر مرة. كنت قد ارسلت القصيدة وتحدثت عنها مع 'عبد الباري' ثم طلبتني. لم أكن في الصحيفة. وجدت رسالة صوتية منك على هاتفي النقال المغلق تقول فيها بنبرة بكر العائلة في بلادنا: بربك ما حكمة أن تحمل هاتفا نقالا مغلقا؟ طلبتك في رام الله. كنت بجانب الهاتف. لعلك كنت تنتظر اتصالا اكثر اهمية من اتصالي. سألتني عن القصيدة التي تركت قشعريرة في بدني. القصيدة التي يمكن لأي جاهل في الشعر والنثر والحياة أن يرى، من وراء كلماتها، يدك تلوح وداعا. لم أقل لك، طبعا، ذلك، فلم اصدق الكلمات التي تودعنا واحدا واحدا، بل قلت انها المرة الاولى التي تقترب فيها، الى هذا الحد، من حياتك وعائلتك وامراضك من دون ان تترك فرصة للتأويل الوطني الجاهز في رؤوس الذين يريدونك شاعرا بحجم "كرت الاعاشة". سألتك إن كانت القصيدة جزءا من مشروع شعري على غرار ما فعلت في السنين الاخيرة، فقلت لي، بنبرة لم افهمها إلاّ بعد الخبر القادم من هيوستين: كلا.. ليست جزءا من مشروع شعري، فأنا لا أشتغل على مشروع الآن.

أردت الاقتراب أكثر من تلك المنطقة التي ابتعدت عنها منذ باريس، لكني بدلا من ذلك قلت بلا تبصر: ليس ضروريا أن تواصل التزامك المنهك بوضع مشروع شعري بين دفتي كتاب كل مرة. استرح قليلا واكتب قصائد منفردة. لم افهم، لحظتها، معنى قولك انك لا تعمل على مشروع شعري كعادتك. سؤالي الأخرق عن تاريخ لاعب النرد كاد أن يقطع حبلا بدأ يمتد بيننا، بقوة، لأول مرة. قلت لي انك كتبت 'لاعب النرد' ثلاثة او اربعة شهور قبل قصيدة النكبة. لا اعرف إن كان ذلك صحيحا، فأنت لا تذيل قصائدك بتاريخ أو مكان. الآن أشك في التاريخ الذي اردت تضليلي به، خصوصا عندما أخبرني 'خيري' انه لم يعلم بوجودها، وأكثر عندما فوجىء بها 'صبحي' منشورة، وتسلمها 'غسان' قبل ساعات من دفعها الى الطبع. هؤلاء يطلون، عادة، على البروفات الاخيرة لقصائدك. ليس هناك شاهد على ولادة قصيدة الوداع هذه إلاَّك. أنت وحدك من وضعها في بيت لا يُسمع فيه تنقّل قدم واحدة. بيتك الذي اعطيت مفتاحه لصديقك 'حليله' كي لا يشم احد رائحة اخرى غير كولونيا الحلاقة التي ترطب خديك الأجردين.

لم يكن لدى لاعب النرد سوى لاعب النرد نفسه. لم يسمع أحد تلك الرمية الاخيرة إلاَّ من رماها. كلنا كنا بعيدين وغافلين وعاجزين عن تبديل موقع الحجر المرقط الذي تدحرج في تلك الخانة. اليوم أذهب الى مطار 'ماركا' لاستقبالك. لن أراك. ففي بلادنا لا يكشفون عن وجوه الموتى المسجين في تابوت، فالموتى ليسوا مسؤولين عن وجوههم. سيكون هناك كثيرون ينتظرون التابوت الذي سينقل من طائرة الى طائرة. ستكون هناك وجوه لا تحبها. ولكن هذا ليس مهما بعد. ما يهم أنه سيكون شعر وورد أقل بعدك.

 

 

 

سميح القاسم يرثي صديقه محمود درويش:

مَا مٍن حوارِ مَعك بعدَ الآن.. إنَّهُ مُجرَّدُ انفجارِ آخر!

تَخلَّيتَ عن وِزرِ حُزني
ووزرِ حياتي
وحَمَّلتَني وزرَ مَوتِكَ،
أنتَ تركْتَ الحصانَ وَحيداً.. لماذا؟
وآثَرْتَ صَهوةَ مَوتِكَ أُفقاً،
وآثَرتَ حُزني مَلاذا
أجبني. أجبني.. لماذا؟

* * *

عَصَافيرُنا يا صَديقي تطيرُ بِلا أَجنحهْ
وأَحلامُنا يا رَفيقي تَطيرُ بِلا مِرْوَحَهْ
تَطيرُ على شَرَكِ الماءِ والنَّار. والنَّارِ والماءِ.
مَا مِن مكانٍ تحطُّ عليهِ.. سوى المذبَحَهْ
وتَنسى مناقيرَها في تُرابِ القُبورِ الجماعيَّةِ.. الحَبُّ والحُبُّ
أَرضٌ مُحَرَّمَةٌ يا صَديقي
وتَنفَرِطُ المسْبَحَهْ
هو الخوفُ والموتُ في الخوفِ. والأمنُ في الموتِ
لا أمْنَ في مجلِسِ الأَمنِ يا صاحبي. مجلسُ الأمنِ
أرضٌ مُحايدَةٌ يا رفيقي
ونحنُ عذابُ الدروبِ
وسخطُ الجِهاتِ
ونحنُ غُبارُ الشُّعوبِ
وعَجْزُ اللُّغاتِ
وبَعضُ الصَّلاةِ
على مَا يُتاحُ مِنَ الأَضرِحَهْ
وفي الموتِ تكبُرُ أرتالُ إخوتنا الطارئينْ
وأعدائِنا الطارئينْ
ويزدَحمُ الطقسُ بالمترَفين الذينْ
يُحبّونَنا مَيِّتينْ
ولكنْ يُحبُّونَنَا يا صديقي
بِكُلِّ الشُّكُوكِ وكُلِّ اليَقينْ
وهاجَرْتَ حُزناً. إلى باطلِ الحقِّ هاجَرْتَ
مِن باطلِ الباطِلِ
ومِن بابلٍ بابلٍ
إلى بابلٍ بابلِ
ومِن تافِهٍ قاتلٍ
إلى تافِهٍ جاهِلِ
ومِن مُجرمٍ غاصِبٍ
إلى مُتخَمٍ قاتلِ
ومِن مفترٍ سافلٍ
إلى مُدَّعٍ فاشِلِ
ومِن زائِلٍ زائِلٍ
إلى زائِلٍ زائِلِ
وماذا وَجَدْتَ هُناكْ
سِوى مَا سِوايَ
وماذا وَجّدْتَ
سِوى مَا سِواكْ؟
أَخي دَعْكَ مِن هذه المسألَهْ
تُحِبُّ أخي.. وأُحِبُّ أَخاكْ
وأَنتَ رَحَلْتَ. رَحَلْتَ.
ولم أبْقَ كالسَّيفِ فرداً. وما أنا سَيفٌ ولا سُنبُلَهْ
وَلا وَردةٌ في يَميني.. وَلا قُنبُلَهْ
لأنّي قَدِمْتُ إلى الأرضِ قبلكَ،
صِرْتُ بما قَدَّرَ اللهُ. صِرْتُ
أنا أوَّلَ الأسئلَهْ
إذنْ.. فَلْتَكُنْ خَاتَمَ الأسئِلَهْ
لَعّلَّ الإجاباتِ تَستَصْغِرُ المشكلَهْ
وَتَستَدْرِجُ البدءَ بالبَسمَلَهْ
إلى أوَّلِ النّورِ في نَفَقِ المعضِلَهْ..

* * *

تَخَفَّيْتَ بِالموتِ،
تَكتيكُنا لم يُطِعْ إستراتيجيا انتظارِ العَجَائِبْ
ومَا مِن جيوشٍ. ومَا مِن زُحوفٍ. ومَا مِن حُشودٍ.
ومَا مِن صُفوفٍ. ومَا مِن سَرايا. ومَا مِن كَتائِبْ
ومَا مِن جِوارٍ. ومَا مِن حِوارٍ. ومَا مِن دِيارٍ.
ومَا مِن أقارِبْ
تَخَفَّيْتَ بِالموْتِ. لكنْ تَجَلَّى لِكُلِّ الخلائِقِ
زَحْفُ العَقَارِبْ
يُحاصِرُ أكْفانَنا يا رفيقي ويَغْزو المضَارِبَ تِلْوَ المضارِبْ
ونحنُ مِنَ البَدْوِ. كُنّا بثوبٍ مِنَ الخيشِ. صِرنا
بربطَةِ عُنْقٍ. مِنَ البَدْوِ كُنّا وصِرنا.
وذُبيانُ تَغزو. وعَبْسٌ تُحارِبْ.

* * *

وهَا هُنَّ يا صاحبي دُونَ بابِكْ
عجائِزُ زوربا تَزَاحَمْنَ فَوقَ عَذابِكْ
تَدَافَعْنَ فَحماً وشَمعاً
تَشَمَّمْنَ مَوتَكَ قَبل مُعايشَةِ الموتِ فيكَ
وفَتَّشْنَ بينَ ثيابي وبينَ ثيابِكْ
عنِ الثَّروةِ الممكنهْ
عنِ السرِّ. سِرِّ القصيدَهْ
وسِرِّ العَقيدَهْ
وأوجاعِها المزمِنَهْ
وسِرِّ حُضورِكَ مِلءَ غِيابِكْ
وفَتَّشْنَ عمَّا تقولُ الوصيَّهْ
فَهَلْ مِن وَصيَّهْ؟
جُموعُ دُخانٍ وقَشٍّ تُجَلجِلُ في ساحَةِ الموتِ:
أينَ الوصيَّهْ؟
نُريدُ الوصيَّهْ!
ومَا أنتَ كسرى. ولا أنتَ قيصَرْ
لأنَّكَ أعلى وأغلى وأكبَرْ
وأنتَ الوصيَّهْ
وسِرُّ القضيَّهْ
ولكنَّها الجاهليَّهْ
أجلْ يا أخي في عَذابي
وفي مِحْنَتي واغترابي
أتسمَعُني؟ إنَّها الجاهليَّهْ
وَلا شيءَ فيها أَقَلُّ كَثيراً سِوى الوَرْدِ،
والشَّوكُ أَقسى كَثيراً. وأَعتى كَثيراً. وَأكثَرْ
ألا إنَّها يا أخي الجاهليَّهْ
وَلا جلفَ مِنَّا يُطيقُ سَماعَ الوَصيَّهْ
وَأنتَ الوَصيَّةُ. أنتَ الوَصيَّةُ
واللهُ أكبَرْ..

* * *

سَتذكُرُ. لَو قَدَّرَ الله أنْ تَذكُرا
وتَذكُرُ لَو شِئْتَ أنْ تَذكُرا
قرأْنا امرأَ القَيسِ في هاجِسِ الموتِ،
نحنُ قرأْنا مَعاً حُزنَ لوركا
وَلاميّةَ الشّنفرى
وسُخطَ نيرودا وسِحرَ أراغون
ومُعجزَةَ المتنبّي،
أَلَمْ يصهَر الدَّهرَ قافيةً.. والرَّدَى منبرا
قرأْنا مَعاً خَوفَ ناظم حِكمَت
وشوقَ 7-7-أتاتورك7-7-. هذا الحقيقيّ
شَوقَ أخينا الشّقيّ المشَرَّدْ
لأُمِّ محمَّدْ
وطفلِ العَذابِ 7-7-محمَّد7-7-
وسِجنِ البلادِ المؤبَّدْ
قرأْنا مَعاً مَا كَتَبنا مَعاً وكَتَبنا
لبِروَتنا السَّالِفَهْ
وَرامَتِنا الخائِفَهْ
وَعكّا وحيفا وعمّان والنّاصرَهْ
لبيروتَ والشّام والقاهِرَهْ
وللأمَّةِ الصَّابرَهْ
وللثورَةِ الزَّاحفَهْ
وَلا شَيءَ. لا شَيءَ إلاّ تَعاويذ أحلامِنا النَّازِفَهْ
وساعاتِنا الواقِفَهْ
وأشلاءَ أوجاعِنا الثَّائِرَهْ

* * *

وَمِن كُلِّ قلبِكَ أنتَ كَتبتُ
وَأنتَ كَتبتَ.. ومِن كُلِّ قلبي
كَتَبْنا لشعْبٍ بأرضٍ.. وأرضٍ بشعبِ
كَتَبْنا بحُبٍّ.. لِحُبِّ
وتعلَمُ أنَّا كَرِهْنا الكراهيّةَ الشَّاحبَهْ
كَرِهْنا الغُزاةَ الطُّغاةَ،
وَلا.. ما كَرِهْنا اليهودَ ولا الإنجليزَ،
وَلا أيَّ شَعبٍ عَدُوٍ.. ولا أيَّ شَعبٍ صديقٍ،
كَرِهْنا زبانيةَ الدولِ الكاذِبَهْ

وَقُطعانَ أوْباشِها السَّائِبَهْ
كَرِهْنا جنازيرَ دبَّابَةٍ غاصِبَهْ
وأجنحَةَ الطائِراتِ المغيرَةِ والقُوَّةَ الضَّارِبَهْ
كَرِهْنا سَوَاطيرَ جُدرانِهِم في عِظامِ الرّقابِ
وأوتادَهُم في الترابِ وَرَاءَ الترابِ وَرَاءَ الترابِ
يقولونَ للجوِّ والبَرِّ إنّا نُحاولُ للبحْرِ إلقاءَهُم،
يكذبُونْ
وهُم يضحكُونَ بُكاءً مَريراً وَيستعطفونْ
ويلقونَنَا للسَّرابِ
ويلقونَنَا للأفاعِي
ويلقونَنَا للذّئابِ
ويلقونَنَا في الخرابِ
ويلقونَنا في ضَياعِ الضَّياعِ
وتَعلَمُ يا صاحبي. أنتَ تَعلَمْ
بأنَّ جَهَنَّم مَلَّتْ جَهّنَّمْ
وعَافَتْ جَهَنَّمْ
لماذا تموتُ إذاً. ولماذا أعيشُ إذاً. ولماذا
نموتُ. نعيشُ. نموتُ. نموتُ
على هيئَةِ الأُممِ السَّاخِرهْ
وَعُهْرِ ملفَّاتِها الفاجِرَهْ
لماذا؟ لماذا؟ لماذا؟ لماذا؟ لماذا؟..
ومَا كُلُّ هذا الدَّمار وهذا السقوط وهذا العذاب
ومَا كلُّ هذا؟ وهذا؟ وهذا؟

* * *

تذكَّرْ
وقدْ يُسعِفُ اللهُ مَيْتاً بأنْ يتذكَّرَ. لله نحنُ.
فحاول إذن.. وتذكَّرْ
تذكَّرْ رضا الوالِدَهْ
لأُمَّينِ في واحِدَهْ
ونعمةَ كُبَّتِها.. زينة المائِدَهْ
وطُهرَ الرَّغيفِ المقمَّرْ
تذكَّرْ
أباً لا يُجيدُ الصّياحْ
ولا يتذمَّرْ
تذكَّرْ
أباً لا يضيقُ ولا يتأفَّفُ مِن سَهَرٍ صاخِبٍ للصَّباحْ
تذكَّرْ كَثيراً. ولا تتذكَّرْ
كَثيراً. فبعضُ الحِكاياتِ سُكَّرْ
وكُلُّ الخرافاتِ سُمٌّ مُقَطَّرْ
ونحنُ ضَحايا الخرافاتِ. نحنُ ضَحايا نبوخذ نصّرْ
وأيتام هتلَرْ
ومِن دَمِنا للطُّغاةِ نبيذٌ
ومِن لَحمِنا للغُزاةِ أكاليلُ غارٍ ووردٍ
ومِسْكٌ. وَعَنبَرْ
فَلا تتذكِّرْ

قيوداً وسجناً وعسكَرْ
وبيتاً مُدَمَّرْ
وَليلاً طَويلاً. وَقَهراً ثقيلاً وسَطواً تكرَّرْ
وَلا تتذكَّرْ
لا تتذكَّرْ
لا تتذكَّرْ..

* * *

لأنّا صديقانِ في الأرضِ والشّعبِ والعُمرِ والشِّعرِ،
نحنُ صريحانِ في الحبِّ والموتِ.. يوماً غَضِبْتُ عليكَ..
ويوماً غَضِبْتَ عَلَيّ
وَمَا كانَ شَيءٌ لدَيكَ. وَمَا كانَ شَيءٌ لَدَيّ
سِوَى أنّنا مِن تُرابٍ عَصِيّ
وَدَمْعٍ سَخيّ
نَهاراً كَتبْتُ إليكَ. وَليلاً كَتَبْتَ إليّ
وأعيادُ ميلادِنا طالما أنذَرَتْنا بسِرٍّ خَفِيّ
وَمَوتٍ قريبٍ.. وَحُلمٍ قَصِيّ
ويومَ احتَفَلْتَ بخمسينَ عاماً مِنَ العُمرِ،
عُمرِ الشَّريدِ الشَّقيّ البَقيّ
ضَحِكنا مَعاً وَبَكَيْنا مَعاً حينَ غنَّى وصلّى
يُعايدُكَ الصَّاحبُ الرَّبَذيّ:
على وَرَقِ السنديانْ
وُلِدْنا صباحاً
لأُمِّ الندى وأبِ الزّعفرانْ

ومتنا مساءً بِلا أبوَينِ.. على بَحرِ غُربتِنا
في زَوارِقَ مِن وَرَقِ السيلوفانْ
على وَرَقِ البَحرِ. لَيلاً.
كَتَبْنا نشيدَ الغَرَقْ
وَعُدْنا احتَرَقْنا بِنارِ مَطالِعِنا
والنّشيدُ احتَرَقْ
بنارِ مَدَامِعِنا
والوَرَقْ
يطيرُ بأجْنِحَةٍ مِن دُخانْ
وهَا نحنُ يا صاحبي. صَفحَتانْ
وَوَجهٌ قديمٌ يُقَلِّبُنا مِن جديدٍ
على صَفَحاتِ كتابِ القَلَقْ
وهَا نحنُ. لا نحنُ. مَيْتٌ وَحَيٌّ. وَحَيٌّ وَمَيْتْ
بَكَى صاحبي7-7-،
على سَطحِ غُربَتِهِ مُستَغيثاً
بَكَى صاحبي7-7-..
وَبَكَى.. وَبَكَيْتْ
على سَطحِ بَيْتْ
ألا ليتَ لَيتْ
ويا ليتَ لَيتْ
وُلِدنا ومتنا على وَرَقِ السنديانْ..

* * *

ويوماً كَتَبْتُ إليكَ. ويوماً كَتَبْتَ إليّ
أُسميكَ نرجسةً حَولَ قلبي7-7-..
وقلبُكَ أرضي وأهلي وشعبي
وقلبُكَ.. قلبي..

* * *

يقولونَ موتُكَ كانَ غريباً.. ووجهُ الغَرابَةِ أنّكَ عِشْتَ
وأنّي أعيشُ. وأنّا نَعيشُ. وتعلَمُ. تَعلَمُ أنّا
حُكِمْنا بموتٍ سريعٍ يمُرُّ ببُطءٍ
وتَعلَمُ تَعْلَمُ أنّا اجترَحْنا الحياةَ
على خطأٍ مَطْبَعِيّ
وتَعلَمُ أنّا تأجَّلَ إعدامُنا ألف مَرَّهْ
لِسَكْرَةِجَلاّدِنا تِلْوَ سَكْرهْ
وللهِ مَجْدُ الأعالي. ونصلُ السَّلام الكلام على الأرضِ..
والناسُ فيهم ـ سِوانا ـ المسَرَّهْ
أنحنُ مِن الناسِ؟ هل نحنُ حقاً مِن الناسِ؟
مَن نحنُ حقاً؟ ومَن نحنُ حَقاً؟ سألْنا لأوّلِ مَرَّهْ
وَآخرِ مَرَّهْ
وَلا يَستَقيمُ السّؤالُ لكي يستَقيمَ الجوابُ. وها نحنُ

نَمكُثُ في حَسْرَةٍ بعدَ حَسْرَهْ
وكُلُّ غَريبٍ يعيشُ على ألفِ حَيْرَهْ
ويحملُ كُلُّ قَتيلٍ على الظَّهرِ قَبرَهْ
ويَسبُرُ غَوْرَ المجَرَّةِ.. يَسبُرُ غَوْرَ المجَرَّهْ..

* * *

تُعانقُني أُمُّنا. أُمُّ أحمدَ. في جَزَعٍ مُرهَقٍ بعذابِ
السِّنينْ
وعِبءِ الحنينْ
وَتَفْتَحُ كَفَّينِ واهِنَتَينِ موبِّخَتَينِ. وَتَسأَلُ صارخةً
دُونَ صَوتٍ. وتسألُ أينَ أَخوكَ؟ أَجِبْ. لا تُخبِّئ عَلَيَّ.
أجِبْ أينَ محمود؟ أينَ أخوكَ؟
تُزلزِلُني أُمُّنا بالسّؤالِ؟ فماذا أقولُ لَهَا؟
هَلْ أقولُ مَضَى في الصَّباحِ ليأْخُذَ قَهوَتَهُ بالحليبِ
على سِحرِ أرصِفَةِ الشانزيليزيه. أمْ أدَّعي
أنَّكَ الآن في جَلسَةٍ طارِئَهْ
وَهَلْ أدَّعي أنَّكَ الآن في سَهرَةٍ هادِئهْ
وَهَلْ أُتْقِنُ الزَّعْمَ أنّكَ في موعِدٍ للغَرَامِ،
تُقابِلُ كاتبةً لاجئَهْ
وَهَلْ ستُصَدِّقُ أنّكَ تُلقي قصائِدَكَ الآنَ
في صالَةٍ دافِئَهْ
بأنْفاسِ ألفَينِ مِن مُعجَبيكَ.. وكيفَ أقولُ
أخي راحَ يا أُمَّنا ليَرَى بارِئَهْ..
أخي راحَ يا أُمَّنا والتقى بارِئَهْ..

* * *

إذنْ. أنتَ مُرتَحِلٌ عن دِيارِ الأحبَّةِ. لا بأسَ.
هَا أنتَ مُرتَحِلٌ لدِيارِ الأحبَّةِ. سَلِّمْ عَلَيهِم:
راشد حسين
فدوى طوقان
توفيق زيّاد
إميل توما
مُعين بسيسو
عصام العباسي
ياسر عرفات
إميل حبيبي
الشيخ إمام
أحمد ياسين
سعدالله ونُّوس
كاتب ياسين
جورج حبش
نجيب محفوظ
أبو علي مصطفى
يوسف حنا
ممدوح عدوان
خليل الوزير
نزيه خير
رفائيل ألبرتي
ناجي العلي
إسماعيل شمُّوط
بلند الحيدري
محمد مهدي الجواهري
يانيس ريتسوس
ألكسندر بن
يوسف شاهين
يوسف إدريس
سهيل إدريس
رجاء النقاش
عبد الوهاب البياتي
غسَّان كنفاني
نزار قباني
كَفاني. كَفاني. وكُثرٌ سِواهم. وكُثرٌ فسلِّم عليهم. وسَوفَ
تُقابِلُ في جَنَّةِ الخُلدِ 7-7-سامي7-7-. أخانا الجميلَ الأصيلَ.
وَهلْ يعزِفونَ على العُودِ في جَنَّةِ الخُلْدِ؟ أَحبَبْتَ
سامي مَع العودِ في قَعدَةِ 7-7-العَينِ7-7-.. سامي مَضَى
وَهْوَ في مِثلِ عُمرِكَ.. (67).. لا. لا أُطيقُ العَدَدْ
وأنتُمْ أبَدْ
يضُمُّ الأبَدْ
ويَمْحُو الأبَدْ
وَأَعلَمُ. سوفَ تَعودونَ. ذاتَ صباحٍ جديدٍ تعودُونَ
للدَّار والجار والقدس والشمس. سَوفَ تَعودونَ.
حَياً تَعودُ. وَمَيْتاً تَعودُ. وسَوفَ تَعودون. مَا مِن كَفَنْ
يَليقُ بِنا غيرَ دَمعَةِ أُمٍّ تبلُّ تُرابَ الوَطَنْ
ومَا مِن بِلادٍ تَليقُ بِنا ونَليقُ بِها غير هذي البلادْ
ويوم المعادِ قريبٌ كيومِ المعادْ
وحُلم المغنّي كِفاحٌ
وموتُ المغنّي جهادُ الجِهادْ..

* * *

إذاً أنتَ مُرتحلٌ عَن دِيارِ الأحِبَّةِ
في زّوْرَقٍ للنجاةِ. على سَطْحِ بحرٍ
أُسمّيهِ يا صاحبي أَدْمُعَكْ
وَلولا اعتصامي بحبلٍ مِن الله يدنو سريعاً. ولكنْ ببطءٍ..
لكُنتُ زَجَرْتُكَ: خُذني مَعَكْ
وخُذني مَعَكْ
خُذني مَعَكْ..
هامش
عمان ـ موسى برهومة ـ هذه القصيدة خصّ بها الشاعر الفلسطيني الكبير سميح
القاسم "المستقبل"، وكتبها متدفقة ما إن وافاه خبر رحيل صديقه الشاعر محمود
درويش.

المستقبل
الثلاثاء 12 آب 2008 - العدد 3045 - ثقافة و فنون

 

 

 

سجل أنا محمود درويش

الخليج الإماراتية 14/8/2008

سعد محيو

I

لا معنى للتاريخ إذا لم يصنع بيد تُمسك القلم وأخرى تداعب السيف. ولا معنى لهذا المعنى، ما لم يولد من رحم الحق والعدل، ليتنشق بعد ذلك رحيق الحرية حتى ولو كان مكبلاً بالأغلال.
الأنبياء غير المسلحين انتهوا جميعاً إلى المقصلة لأنهم حملوا الكلمة ونسوا السيف. والأدباء والشعراء والفنانون كانوا، وما زالوا، يرحلون بلا أثر إذا لم يرفعوا لواء قضايا وقيم ومبادئ تبقى حتى بعدما يفنى الوجود.
محمود درويش كان من رعيل القلم والسيف والنبوة الإنسانية المدججة. ولذا كان. ولذا سيبقى.

كيف فعل؟
أثبت بالشعر والنثر والنضال والدم والدموع أن أحداً لا يستطيع إخراج فلسطين من التاريخ. وحينها نجح هو في الدخول بفلسطين ومع فلسطين إلى التاريخ من أوسع أبوابه.

II

الأرض عند محمود درويش هي جنة عدن. وفلسطين هي جنة عدن المفقودة. وكما الأرض تموت وتنبعث كل شتاء وربيع، يمكن لمخلوقات الأرض أن تقوم من بين ركام المأساة والتيه والتشرد لتعيد بناء الحاضر بحجارة الماضي.

حلم مستحيل؟
ليس لمحمود درويش. فهو شيّد صرحاً لفلسطين أجبر عبره كل ألسنة الأرض على اللهج باسمها والاعتراف بوجودها وأحياناً التطوع للشهادة دونها. ابن عكا فعل ذلك وهو يبكي ويبتسم. وهو ينزف ويداوى. وهو يطوف كل أرجاء المعمورة في النهار فيعود في المساء إلى فلسطين ليركع ويصلي ويلثم ترابها وعشبها وزيتونها وزيزفونها.

إنها الأرض - الجنة المفقودة التي وجدت في محمود درويش ملاذها.

III

وكما الأرض، كذلك القصيدة.
أكثر من 40 كتاب شعر نُذرت كلها لفلسطين، ففجّرت في الأدب العربي المعاصر موجة إبداع وتحديث قل نظيرها، وجعلت محمود درويش عنواناً بدل أن يكون اسماً، ومدرسة بدل أن يكون مدرّساً، وعملاقاً بدل أن يكون بشراً.
حين مات محمود بكت القصيدة، وتحركت العصور لتقدم واجب العزاء، وأعلنت النجوم الحداد.
لكن محمود الفكرة والدمعة والابتسامة باق، ومعه وبه ستبقى فلسطين إلى الأبد.
سجّل أن محمود درويش عربي.

***

ما أجمل ورد هذا القبر!

رشاد أبو داود الوقت 14/8/2008

غداً، يقولون ما أجمل ورد هذا القبر، ما أبقى هذا الميت. غدا يزورك، نزورك، نقرأ الفاتحة على روحك التي فينا. ونتلو كثيرا كثيرا من شعرك. نمد رموشنا في التراب علها تمسد شعرك.
غداً، يأتونك من كل أرض لك فيها أرض، فيها بيت، فيهما إنسان لم يحتمل قلبه الفجيعة. يحدثونك باثنتين وعشرين لغة قرأت شعرك. لمست وجعك. يتحدثون عنك.. من منهم قرأك أكثر، أحبك أكثر، فهمك، أحسك، حسدك، اختلف معك، واختلف عليك.
غداً، يأتونك من كل جرح عميق.. ما أعمق جرح المنفى والمنفي حين يكون الوطن شهقة أوردة، ها قد شهقت ورحلت وتواريت لكننا نراك، نحفظك عن ظهر قلب من قلب قصيدة. سيقول أحدهم تعلمت منه الـ ''أنا'' العصية على الزوال، وكيف يكون النوم أبيض وكيف أَجُرّ المكان برسن العبارة.وكيف الكلمات وحدها المؤهلة لترميم ما انكسر من زمان ومكان و.. كيف أضع قمرا على صفصافة.
سيقول آخر: علمني ان المنفى سوء تفاهم بين الوجود والحدود واختبار لقدرة النرجس على الزهو والتواضع معا. وأنه ان أوجعك ولم يقتلك ارجعك إلى مهد الخيال وقوّاك وساواك بمن يسهرون على تدجين الغامض.
سيقول ثالث: تعلمت منه ان أتبع الحلم بما أوتيت من ليل وان اكون إحدى صفات الحلم وان أحلم لأجد الفردوس في موضعه.. ان ابني لي حلما.و.. سيقولون كلهم بقلب واحد: علمنا محمود درويش الحب. كيف يرتفع الجسد إلى مقام الروح، وتتعارف الأرواح وتتآلف حول الشكل المتلألئ بالجوهر.وكيف ان الحب هو اكتمال المعنى باللامعنى والانخطاف الذي يلتبس فيه الشفق مع الاشراق وهو.. ما لا تعرف وتعرف أنك لا تعرف. وكيف أنك لا تُعرِّف الحب إلا عندما تحب وان وجدت له تعريفا وتبريرا يتلاشى كغيمة حلبتها يد ساحرة.
الآن نعرف حزنك المصقول يا محمود ولماذا قلت لو لم تكن الأرض كروية لواصلت المسير. كان الصدع عميقا والضربة اخترقت القلب. ليس قلبك وحدك.الغريب الذي لم يعد غريبا منذ احتضن سر الغريبة، عاد غريبا.. المساحة الوردية القطعة من وطن، الموشحة بالعمق المقدس هربت سماؤها مع سحب الغباش. لم يعد يغني، لم تعد تغني: ضمني كالطيور في ليالي الصقيع لننهض مع أشعة الفجر ونحن.. نغني!
غداً يقال.. ما أَحَنّ قبر هذا الورد!

***

درويش... والطريق إلى فلسطين

وليد نويهض

الوسط 11/8/2008

«أيها المارون بين الكلمات العابرة
احملوا أسماءكم، وانصرفوا».
شاءت المصادفة أن يتوقف قلب الشاعر الراحل محمود درويش في المنفى. ورحلة درويش بين منفى ومنفى تختصر حياة شعب قيض له أن يعيش خارج الوطن يبحث عن طريق للعودة. وطن الفلسطيني هوية. وهوية فلسطين تحولت إلى رمز أقوى من الأرض والدولة.محطة درويش الأخيرة هي لحظة عابرة في رحلة عمر بدأت بالاقتلاع. وحين تبدأ طفولة شاعر بالاقتلاع والنزوح القسري والطرد من أرضه تصبح المحطة الأخيرة من رحلته مفهومة.
الرحيل إلى لبنان كان خطوة الطفل التالية. وهناك سيكتشف والده بعد سنة أن البقاء خارج الأرض ينتظر العودة. وحلم العودة أخذ يبتعد زمنياً فقرر التسلل إلى فلسطين. فالعودة تسللاً أسرع من انتظار العودة. عاش درويش فترة المراهقة مطارداً وملاحقاً ولم يكن أمامة من خيار آخر سوى الانضمام إلى الحزب الشيوعي في اعتباره الملجأ الوحيد المتاح آنذاك أمام الأقليات العربية للقراءة والتفكير والكتابة. وحين بدأت أنباء الثورة تصل إلى أبناء الأرض التي كانت تتعرض للهدم وإعادة البناء لاستقبال «مهاجرين» للتوطن أخذت تتشكل في مخيلة الشاعر صورة العودة المضادة.
وهكذا قرر الشاعر السفر بعد أن تطور وعيه الشقي وضاع بين خيار الأرض (الحزب) وخيار العودة (البندقية). خيار المغادرة كان نتاج الوعي الشقي الذي ظهر في مخيلته حين توافر له خيار آخر. وانتهت فترة الضياع بين الأرض والبندقية فاختار درويش المغادرة والالتحاق بالثورة.
بيروت كانت محطة غنية في حياة الشاعر. فهناك اكتشف الكثير من خفايا الصورة. وهناك تعرف على شعر من نوع آخر. ومن تلك المدينة أعاد درويش النظر في بناء هيكل القصيدة فأدخل على شعره تعديلات رمزية تربط القضية بالعاشق.
محطة بيروت أعادت تشكيل الصورة فارتسمت في المخيلة مقطوعات فنية منثورة رفعت القضية إلى مستوى الرمز والمرأة إلى مكان القضية. ومن تداخل الوان الجسد بحلم الأرض بدأ «عاشق من فلسطين» يتقدم نحو طور جديد من الشعر يبتعد قليلاً عن البندقية ويقترب أكثر إلى العودة.
حلم بيروت لم يستمر طويلاً. فمن طرده عنوة من قريته في العام 1948 زحف إليه مجدداً ليعاود طرده من المدينة في العام 1982. رحل درويش عن المدينة التي أحب. فهي كانت «الخيمة الأخيرة» في محيط شاسع لا يحتمل لجؤ شاعر.

المارون... العابرون

بعد الخروج من ملجأ بيروت دخل درويش محطة الشتات المنظم. فالشتات هذه المرة كان أقرب إلى القرار وليس خياراً مفروضاً. فهو خسر بيروت وغير قادر على العودة... فذهب إلى عمّان وتونس واستقر في باريس ليبدأ رحلة العودة إلى التاريخ. وهناك قرأ تاريخ الأندلس واكتشف الهزيمة وكتب عن أساطيرها. ومن تلك المحطة أعاد ترتيب مشاهد الصورة من الاقتلاع إلى النزوح إلى العودة تسللاً إلى الوعي الشقي والضياع بين الأرض والبندقية إلى اختيار المغادرة وعشق الثورة ثم الطرد من الخيمة وعبور بحر من الشتات المنظم.
بعد كل هذا اكتشف الشاعر أنه من الخطأ انتظار العودة. فهذا الحلم لانهاية له وهو أشبه بالنوم الطويل من دون يقظة. قرار العودة جاء بعد مخاض أليم. فالقرار كان أقرب إلى حد السيف فهو إما ألا يكون أو يكون بشروط. وبين العدم والاحتمال اتجه الشاعر إلى خيار العودة المشروطة بعد أن امتدت فترة الشتات المنظم. وهكذا رجع الشاعر من الشتات ليبحث عن مكان ضائع. عبور درويش إلى فلسطين كان أشبه بعودة المسافر لا المقاتل. فالأخيرة عنيفة بينما الأولى أقرب إلى حنين عاشق لحبيبة. وفي منطقة العودة تشكلت في المخيلة صدمة واعية اكتشفت الواقع على حقيقته وأعطت صورة بعيدة عن الحلم وما يعنيه من إشارات ورموز.صدمة الوعي كان لابد منها بداية تمهيداً للانتقال إلى طور أعلى بدأ يتكون في محطته الأخيرة حين أخذت تتشكل من تضاعيفها قراءة تكتب بالكلمات مشاهد قلقة تعكس بدء وعي الصدم.
في لقاء هاتفي أجرته صحيفة «الحياة» مع الشاعر سألته عن انطباعاته بعد عودته فقال «الطريق إلى فلسطين أجمل». درويش حاول أن يختزل مشاعره في فكرة تشير إلى الرمز. فالكفاح من أجل العودة أقوى من العودة. والحلم يتلاشى بعد اليقظة. فالحلم رمز وحين يتحقق تتراجع الرمزية لترتفع مكانها الواقعية.
الطريق إلى فلسطين تختصر حياة الشاعر درويش منذ لحظة الاقتلاع العنيف إلى العودة المشروطة. والطريق في هذا المعنى هي الأجمل لأنها تحمل في مخيلتها الرمز والحلم. ومن يحلم بالحبيبة تختلف مخيلته عن العاشق الذي يبحث عن فرصة ليجتمع بها، وأجمل القصائد كتبت عن عاشقين لم يجتمعا. فالحلم يحصن التوقعات ويرفعها من الواقع إلى الرمز بينما اليقظة تهبط بالحلم من الرمز إلى الواقع. بين الواقع والرمز عاش درويش حلم العودة على طريق فلسطين. وعندما عاد اكتشف الفارق بين لقاء الحبيبة وحلم اللقاء بها. فالعودة ثقافة وثقافة العودة أجمل أحياناً من العودة. والمقاومة ثقافة وثقافة المقاومة أقوى من المقاومة. الرمز أقوى وأجمل وأفعل. وحين يبتعد الرمز عن السلاح تتلاشى قيمته ويتحول السلاح إلى سلعة تستخدم في كل الاتجاهات... وقطعة حديد لا تتورع في الارتداد إلى الداخل.
قيمة الشيء أحياناً ليست في ذاته وإنما في وظيفة القيمة وارتفاعها إلى رمز أو حلم. وحين يصبح الحلم حقيقه تبدأ معركة الإنسان لمنع سقوط الرمز إلى الواقع. وهذا ما قصده درويش حين صرح بأن «الطريق إلى فلسطين» هو الأجمل.
شاءت المصادفة أن يتوقف قلب درويش في غرفة العناية الفائقة في مستشفى في مدينة هيوستن الأميركية. فالشاعر مضى إلى محطته الأخيرة لكن كلماته ستبقى ولن تعبر وتمر.
«أيها المارون بين الكلمات العابرة،
آن أن تنصرفوا
وتقيموا أينما شئتم، ولكن لا تموتوا بيننا».

***

الوقت 10 أغسطس 2008

محمود درويش.. وتكبر في الموت أيضاً!

رشاد أبو داود

صهل الحصان، لم يسقط. واصل جموحه. وكما أوصانا، الحلم لا ينتهي، طالما هناك حالمون. محمود الحالم جزء من فلسطين التي في البال. رحل ولم يغب. مات.. لم يمت.. ويظل حاضرا في حضرة الغياب.تجسدت فلسطين بصورة شاعر. شاعر منحوت من جذع زيتونة واللحاء قلب شفيف، موجة بحر عطشى للبحر، لكن العطش للوطن ظل الأقسى حتى جفت شرايين الشجرة الباسقة.
لكأن حاسة الفلسطيني كانت تعلم. لكأن حساسية الشاعر أنبأت محمود درويش ان المشوار انتهى وان الطريق إلى ''الربوة'' ما زال طويلا.. طويلاً.
كلنا يشبهه.. يشبهنا كلنا. كان صورة من صور وصور في صورة الإنسان في الأرض، اللاجئ في وطنه العربي في مائه الناشف، وكان نبع الجفاف في قمة الجبل ولا جبل سوى فلسطين لكن البئر محتلة أو.. مختلة!
في آخر مرة، في آخر شتاء زرته برفقة الصديق زهير أبوشايب. وكانت عمّان في أوج بردها ومحمود في ذروة محموده. يتدفق شعرا تحسه يتسرب من باب شقته في ''عبدون''.. وأيضا كان ينز ألماً لما وصل إليه حال الفلسطينيين من سلطويين وحماسيين. تحدثنا ثلاث ساعات. وكلما هممنا بالخروج كان يقول: وين بدكم تروحو.. خليكم شوي. نشرب قهوة مرة ثانية. يذهب إلى المطبخ. يعد القهوة ويأتي بها. يقدمها بيديه اللتين واحدة كتبت فلسطين شعرا عالميا. والثانية.. مكتوبة بضوء لم يخفت منذ تشقق قمر فلسطين ذات 1948 وسال دمه.. دما، جوعا، تشرداً، شعراً، ثورة، مقاومة، حرباً، سلاماً، لا سلاماً.
قلت لمحمود: إلى أين نمضي؟! قال اسأل حماس وفتح!! و.. صمت من ذاك الصمت الذي يحكي الكثير.
مات محمود بعيداً عن قهوة أمه وخبز أمه ولمسة أمه. ظل السؤال سؤال: لماذا تركت الحصان وحيداً..
ومازال التاريخ يسجل: أنا عربي.
سلاماً يا محمود.. سلاماً عربياً.. فلسطينياً أممياً و... العابرون يظلون في كلام عابر!

 

 

 

ثمة يومٍ سيطرق الموتُ بابك

- إلى محمود درويش –

محمود درويش وتترك حصانك وحيداً،
وتمتطي عربة من ذهبٍ تجرها الحمائم البيضاء،
واضعاً علي شعركَ أكاليل الغار،
تداعبُ مثل أورفيوس قيثارته المذهبة،
فتختلج من عذب صوتكَ الحياة بالأحجار.

لا تغمض عينيكَ الآن،
ولا تغبْ أكثر مما ينبغي،
فالسماءُ تهطلُ الشوك والثلج الحار،
والنجومُ تلوذ بالفرار،
فلا نسمعُ في الليل إلا حفيف القصب النحيل،
ولا نلمحُ أحداً سوى حلكة الظلام،
الموتُ يخذلنا، والحياة تخذلنا،
بينما نرقبُ السنين العجاف،
نتوسدُ سريراً من رملٍ وأمواج متجعدة،
مثل مسنٍ يائسٍ تِعبَ من انتظار أن تنخسهُ صبيةٌ صغيرةٌ بنظرة من عينيها الوقحتين.

بأمرٍ من الليل،
نحكمُ الرتاج،
نغلقُ علينا أبواب الصمت،
نتسلقُ الوقتَ درجاً درجاً،
بانتظار نجمة الصباح.
نحن وليناكَ أن تكونَ صوتنا،
أين ستأخذ عنا لهب الشعر المتموج المندفع عالياً،
أين ستأخذ صوتنا،
ماذا ستفعل بنفوسنا الطافحة بالدمع؟
كيف نمتطي في شِعركَ صهوة أحلامنا ونرى أنفسنا:

في الجب مع يوسف،
في الصلب مع الحلاج،
في زهرة الدم مع لوركا،
في بيروت مع صبرا،
في تل الزعتر مع أحمد،
في فلسطين مع الحجر،
لا تغمض عينيك الآن،
صوت الأمل سوطٌ يلهب أيامنا،
وبحر اليأس حبرٌ يُسطر تاريخنا،
لا تغمض عينيكَ الآن، ليس الآن وقت الرحيل،
فما أقل ساعات اللقاء، وما أقصر كلمات الوداع.

 

 

 

محمود درويش... الحضور .. والغياب

بسام الهلسه

محمود درويش* ربما لم يحظ شاعر عربي، منذ شاعر العربية الأكبر، "أبي الطيب المتنبي"، بما حظي به الشاعر الراحل "محمود درويش" من حضور وانتشار...
ولم تكن القضية الفلسطينية  - بما لها من مكانه نافذة في الاهتمام والوجدان العربي- هي السبب الوحيد في هذا.. فقد سبقه وجايله ولحقه، شعراء فلسطينيون آخرون لم يحظوا بما حظي به درويش، رغم ما تركوه من علامات مميزة على دروب الشعرية الفلسطينية والعربية منذ ثلاثينيات القرن الماضي أمثال: إبراهيم طوقان، عبدالرحيم محمود، عبدالكريم الكرمي (أبي سلمى)، هارون هاشم رشيد، كمال ناصر، فدوى طوقان، يوسف الخطيب، معين بسيسو، سلمى الخضراء الجيوسي، حنا أبي حنا، عبدالرحيم عمر، توفيق زياد، سميح القاسم، أحمد دحبور، وليد سيف، محمد القيسي، وعز الدين المناصرة...

كما لم تكن "الحداثة الشعرية" أيضاً هي السبب في هذه المكانة، فلقد تجاوز درويش - وهو من الجيل التالي لرواد الحداثة الشعرية العربية (بدر شاكر السياب، نازك الملائكة، صلاح عبدالصبور، أدونيس، أنسي الحاج، توفيق الصايغ، عبدالوهاب البياتي...). منجزهم الشعري بقدرته الدائمة على توفير شَرطَيْ الاستمرارية والتجدد؛ وبقدرته المتميزة على الاحتفاظ بتواصل دائم مع الجمهور العربي الواسع؛

فلم يعان مما عاناه آخرون من نضوب أو تكرار لما سبق، ولا من مدى نخبوي في التواصل.
وكان ذكاؤه، وحرصه الدائم على تثقيف نفسه باستمرار، مع الارتباط بقضية حية كالقضية الفلسطينية، وعدم القطع نهائياً مع الأساليب الشعرية العربية، وتطوير وإثراء لغته وأدواته ومعالجته لموضوعاته، هو ما أبقاه متواصلاً بقوة مع جمهور متفاعل كبير، في الوقت الذي انحسر فيه كثيراً في الآونة الأخيرة جمهور الشعر العربي، خصوصاً في زمن "قصيدة النثر" التي، ورغم طرقها لمناطق وموضوعات شعرية جديدة، وبلغة هامسة غالباً –لا مِنبرية- لم تقدم (باستثناء بعض الأسماء، أبرزها محمد الماغوط) أصواتاً تبلغ ما بلغه شعراء "قصيدة التفعيلة" التي تمردت عليها، من حضور، ولا ما بلغته الشعرية العربية الحديثة والمعاصرة منذ حركة الإحياء وشاعرها "محمود سامي البارودي"، مروراً بالتقليدية المحدثة (شوقي، حافظ، الزهاوي، الجواهري، خليل مطران ...) والرومانسية التي عمت الوطن والمهجر (بشارة الخوري، إبراهيم ناجي، أحمد زكي أبو شادي، جبران خليل جبران، إيليا أبو ماضي، علي محمود طه، الصافي النجفي، إلياس أبو شبكة، عمر أبو ريشة، أبو القاسم الشابي، بدوي الجبل، محمود حسن إسماعيل، وسعيد عقل...).

* * *

فبعد إتكاء درويش في دواوينه الأولى على موضوعات وطنية وعاطفية قدمها بلغة غنائية رومانسية مباشرة، فإنه سرعان ما أسس صوته الخاص المتفرد بعدما تجاوز مؤثرات نزار قباني والسياب والبياتي، واشتق لنفسه معجماً وموضوعات وأسلوبية وصوراً رسخت مكانته الشعرية كأحد الكبار المجددين في الشعر العربي.
وإذا كان مديناً –في انتشاره في السنوات الأولى- للاهتمام الذي أبداه أديبان كبيران (يوسف الخطيب، وغسان كنفاني) بشعر وأدب "الأرض المحتلة" في أواسط الستينيات من القرن الماضي، ولإعلام الثورة الفلسطينية المعاصرة وشبكة علاقاتها العربية والدولية الواسعة، ثم للنقاد والاعلام المصري المهيمن (بعد حرب حزيران –يونيو 1967م) الذي عمم وروج صفة "شعراء وأدباء المقاومة"، فقد عمل درويش على تطوير بنائه الخاص باستمرار، خصوصاً بعد مغادرته الأرض المحتلة إلى القاهرة أولاً ثم إلى بيروت وهما حاضرتان عربيتان كان يصطخب فيها حراك ثقافي عميق ومتعدد التيارات والاختيارات.
وتعين عليه الاحتكاك المباشر بالشعراء، وبالنقاد، والدارسين، والمعلقين، والمثقفين، والفنانين، والجمهور المتنوع فيهما وفي غيرهما من العواصم والمدن العربية التي كانت منشغلة بعدُ بأسئلة الحياة...
في هذا الجو الثري المحتدم، ما كان ممكناً للقضية الفلسطينية –على جلال حضورها-، ولا للحداثة الشعرية التي أصبحت راسخة، ان تكونا كافيتين لمنحه جواز المرور إلى المقدمة... فقد كان لكل شاعر وأديب كبير –ومثقف عموماً- قضيته وحداثته...

* * *

كان هناك –إضافة إلى الرواد- شعراء الخمسينيات والستينيات: سعدي يوسف، ومظفر النواب، وخليل حاوي، وأحمد عبدالمعطي حجازي، وأمل دنقل...
وكان هناك شعراء العالم الكبار الحاضرون بلغاتهم الأصلية أو بترجماتهم العربية: رامبو، والت ويتمان، ماياكوفسكي، بول ايلوار، لوي اراغون، لوركا، نيردوا، ناظم حكمت، وكافافي...
وإضافة إلى هؤلاء، كان الشعر العربي القديم في عصوره المختلفة، قد جرت إعادة قراءته وتقديمه مجدداً على نطاق واسع، ناهيك عن شعراء "المحكيات" العربية الكبار –خاصة في مصر ولبنان والعراق- الذين تمردوا على القوالب القديمة، وقدموا مساهماتهم الإبداعية التي حملتها "الكاسيتات" وأذاعتها الأغاني...
لكن "محموداً"، بانشغاله المثابر على أدواته وموضوعاته وأسلوبه ولغته وصوره، وبحرصه على إيقاعات الشعر العربي -التي هجرها شعراء "قصيدة النثر" غالباً- وبغزارة انتاجه، تقدم إلى المقدمة.. ومن المقدمة إلى ما بعدها.. غير متوقف عند حدود ما أنجزه.. لـ"كي يظل الأمام أمامنا" حسبما عبر في إحدى قصائده.. أو لـ"يصعد إلى السماء ثم إلى فوق!" كما كتب ذات مرة الصديق الشاعر "نزيه أبو عفش" في عبارة مجازية...

* * *

وإذا كانت الأغلبية، من النقاد والدارسين والشعراء العرب، تقر بمكانة وجدارة درويش الشعرية، فإن بعض الأسئلة جديرة بأن تطرح حول صور ورموز فلسطين والفلسطينيين في شعره.. فرغم خصوبتها وتأكيدها على الهوية والحضور الإنساني الحي في مواجهة التغييب والإلغاء الإسرائيلي، فقد غابت عنها صورة الفلسطيني المقاتل من أجل الحرية ضد الاحتلالين البريطاني والصهيوني، وهي الصورة التي وسمت مسار التاريخ الفلسطيني الحديث والمعاصر بعلاماتها، مع ملاحظة حضوره –أي الفلسطيني- كضحية، أو قتيل، أو شريد...
ولا يفسر هذا الغياب بقول البعض ان الأديب أو الفنان ليس مدعواً إلى تبني الثورة المسلحة، فهذا ما ينفيه السلوك الشخصي والتعبير الأدبي معاً، لأدباء وفنانين عالميين كبار، ولأدباء وفنانين فلسطينيين (عبدالرحيم محمود، غسان كنفاني، ناجي العلي...الخ).
يمكن القول بأن درويش –الذي كان مع المقاومة "الثقافية" و"الحضارية" و"الإنسانية"- لم يكن مؤيدا" للكفاح المسلح" كسبيل لنيل الحقوق، وهو ما يعرف من تأكيده على النضال الفلسطيني كـ"حركة استقلال" (وليس حركة تحرير شعبية مسلحة) تسعى لحشد التأييد العالمي والضغط على الإسرائيليين –سلمياً- "لقبولنا والاعتراف بنا وبحقوقنا".
وفيما بدا شعره (خصوصاً منذ ديوانه "تلك صورتها وهذا انتحار العاشق") غريباً بالنسبة لمقاتلي الثورة -وللفئات الشعبية الفلسطينية عموماً– التي كان العراقي "مظفر النواب" والمصري "أحمد فؤاد نجم"، أقرب إلى فهمها ومزاجها، فقد رحبت معظم أوساط الطبقة الوسطى المتعلمة بشعره وتقبلته.. وهي أوساط تبغض الاحتلال حقاً وتتمنى الخلاص منه، وتحب فلسطين بصدق، لكنها غير مستعدة للتضحية من اجلها والمساهمة في تحريرها واستردادها بأكثر من نشاط ثقافي أو اجتماعي...
ومع احتفاظها بعواطف وطنية، وحرصها بخاصة على تأكيد هويتها ورموزها العربية الفلسطينية، فإنها معنية أكثر بالحفاظ على وضعها (وأوضاع عائلاتها) وتحسين مستواها المعيشي. هذه الطبقة –غالباً- ومثيلاتها في دمشق وعمان وبيروت، هي "المتداول" لشعر محمود درويش الذي رأت أنه يمنحها نوعاً من التعويض والعزاء عن "وطنيتها المشتهاة" من جانب، ويتواءم مع "أسلوب حياتها المطمئن" من جانب آخر.
أما السؤال الآخر فيتصل بمدى تفاعل درويش مع القضايا العربية، التي بدا تواصله معها- وتعبيره الشعري والأدبي عن هذا التواصل- "محدوداً"، مع تنقله ومعايشته المديدة للعديد من الأقطار والمدن العربية (رغم انه ليس ضرورياً العيش في دول لتبني قضاياها).
وتبدو لنا هذه "المحدودية" مفارقة، بالمقارنة مع أدباء وفنانين فلسطينيين آخرين (توفيق زياد، يوسف الخطيب، ناجي العلي كأمثلة) أو عرب (عبدالرحمن منيف، غالب هلسا، مظفر النواب كأمثلة).
هذا يعني أن نوعية "الموضوعات" و"الانشغالات" إنما يحددها "فكر" الأديب و"مواقفه" بالدرجة الأولى..
ومن هذه الناحية كان درويش "أسير" الموضوع الفلسطيني، مع ادراكنا لأهمية ومركزية هذا الموضوع (فلسطين) في الشأن العربي، ومعرفتنا بالمدى الإنساني الذي رفعه إليه وعالجه به درويش.

* * *

إذا كان جسد الـ"عاشق من فلسطين" –درويش- قد رحل وغاب بعدما "ملأ الدنيا وشغل الناس" لأكثر من أربعين سنة؛
وإذا كانت مواقفه وآراؤه السياسية قد أثارت الجدل والاعتراض أو الرفض، وكذا مسلكه الشخصي في عدم تقبل أي نقد يوجه إلى مواقفه أو شعره؛
فإن شعره الذي لم يحظ شعر عربي حديث ومعاصر بما حظي به من اهتمام وانتشار كما قلنا من قبل، سيظل باقياً تتوارثه الأجيال...
وسيحتفظ ديوان الشعر العربي لـ"محمود درويش" بمقام عالٍ يليق به بين شعراء العربية الكبار عبر كل العصور..
منذ "الملك الضليل" -إمرئ القيس- وحتى الآتين في الغد...

* * *

ولأن "على هذه الأرض ما يستحق الحياة"، كما وقع درويش في عبارة بسيطة، عميقة,
فهو يستحق إذن النضال لأجله...
ذوداً عنه.. أو إحرازاً له

alhalaseh@gmail.com
 

 

 

وكان محمود أميرا على أرض تسمى مجازا "أرض الغمام".

محمود درويشأكبر الخاسرين من غياب الشاعر محمود درويش ،طبعا، بعد الخيال العربي و الوجدان الانساني و نبتة الصبار و جائزة نوبل و الفراش وزهر اللوز و الشعر والأرض والغيوم وفلسطين و الورد هو الموت نفسه.

فبصدق العشب فوق الحجرو بحدس الضبي عند النبع و بمعجزة الحياة في كعب الغزال كان محمود درويش يستشعر الكمين و يجنب قطيع الأيائل طريق الهلاك، فيخرج من لعبة الاستغماية مع الموت منتصرا أو على الأقل سالما. و حده الموت رفيق محمود كان يعلم كم من مرة استطاع الشاعرأن يغير بسحر الخيال من محددات طلقة رصاصة بندقيته لتنزاح عن الهدف بمقدار سطر شعري .الموت يعلم وحده كم كان محمود يثقن قراءة تفاصيل لعبة الصياد و الطريدة و الجلاد و الضحية. الموت يعلم وحده أنه من هذه الدائرة المتموجة و من دهشة الانفلات من الكمين كان محمود درويش يبتكر الحياة و الشعر. فكان كل مرة يصعد فيها الى المنصة لقراءة قصائده كان كما لو أن لسان حاله يقول لرفيقه هاأنذا ، أيها الموت، من جديد أمام العالم.

الآن وقد تواطأت التكنلوجيا مع الموت و أساءت الهندسة الطبية فهم سطره الشعري الجميل " الحياة بداهة. و بيوتنا كقلوبنا مفتوحة". ماذا ستفعل أيها الموت بتفاصيل صورة شمسية لقلب شاعرفلسطيني التقطت على سرير في مستشفى في مدينة هيوستن بولاية تكساس الأمريكية؟ هل بوسع الصورة الشمسية أن تلتقط الغيوم الرائعة هناك في الضفة الأخرى كما كانت تفعل استعارة محمود؟ هل بمقدورها ان تصور عزلة نبتة الصبارفي باريس و عشق زهرة اللوز للحياة؟
هل بوسع الصورة الشمسية أن تصور كيف كان الكون يستعيد عافيته و كيف كانت النجوم تعود الى أعشاشها وكيف كان بياض اللوز يعود الى التلال في رام الله حين كان محمود يقرأ قصائده في الرباط و دمشق و عمان و بيروت و القاهرة... ؟

هل تستطيع صورة شمسية ألتقاط اثرالفراشة أو انعكاس أشعة الضوء فوق البنفسجية من حراشف أجنحتها التي كانت تحمي الذاكرة من الانهيارو تعدل من التوازن الجمالي للطقس الشعري؟؟
هل تستطيع صورة شمسية تسجيل الضوء الذي أنطفأ من المجرة حين أقفل محمود عينه عن العالم ؟
ماذا ستفعل أيها الموت ليلا و انت مستلق على أريكتك كذئب عجوز تتابع نشرة المساء على قنواتنا التلفزونية و ترى خبر رحيل الشاعرمحمود درويش عابرا في الوقت الميت من الأخبار كما لو أن الذي رحل شخص آخر غير محمود درويش. ( يا لجهل قنواتنا الفضائية !).- من اين يأتينا الموت أيها الموت؟
شعر محمود أنبل شعب، شعر محمود أنبل جيش. شعر محمود أنبل وطن...
وكان محمود أميرا على أرض تسمى مجازا "أرض الغمام".

من سيفك لك هذا اللغز أيها الموت
كيف لك أن تحتفظ الآن بتضاريس لون الفراش و هوالشاعر الراسخ في السراب؟
و مع من ستستأنف لعبة الركض؟
يقول المنتصر في هشاشته:
"ههنا قاتلٌ وقتيل ينامان في حفرة واحدة ْ
.. وعلي شاعر آخر أن يتابع هذا السيناريو
إلى آخره ْ" !

أعرف أنك أيها الموت
نادم هذا المساء.

رشيد منسوم
المغرب

 

 

 

الشعر المحمود قراءة في جدارية محمود درويش

أحمد العمراوي
(المغرب)

أحمد العمراويهل يجوز الحديث عن شعر محمود وشعر مذموم الآن في مشهدنا الثقافي الراهن؟ ما مفهومهما ؟ ما درجتهما ؟ ما موقعهما؟ في مراحل سابقة من تاريخ الأدب ، الذي ندعو لإعادة النظر في طريقة تدوينه، تم التمييز بين الشعر المحمود والشعر المذموم استنادا إلى أسس أخلاقية أو عرفية أو دينية ،أو غيرها، رغم أن درجة الحكم على الشعر ودرجة القبول فيه من المفروض أن تأتي من داخله لا من الخارج.
أبو نواس كبير شعراء عصره وكل العصور شكل الاستثناء لكونه قال الشعر في كل شيء من المحرم الجسدي إلى النبش في خبايا الروح ندما. شعر مخالف مغاير فاضح على مستوى" التيمة " الموضوع، إلا أنه شعر تم الاستشهاد به حتى من طرف أكثر الفقهاء تطرفا في دروس النحو والبلاغة
درجة "الحمدية" أو "المحمودية" في الشعر تأتي من الشعر ذاته ومن التجربة، من صدق ما يعيشه الشاعر. شعر الذات في علاقة هاته الذات بنفسها كجسد أولا شكل نقطة بالغة الأهمية في مسار الشعر الحديث منه والكلاسيكي. نقل معاناة الجسد المعري أو النواسي أو الحلاجي عربيا مثلا، شكل تميزا لدى هؤلاء الشعراء. وكذا في التجارب العالمية من رامبو وبودلير إلى ييتس ونيرودا وجماعة شعراء الغضب الأمريكي، وإلى شارل بوكوفسكي قمة التمرد الجسدي المعاصر شعرا وتجربة. قمة التمرد حاصرت شعر وحياة بوكوفسكي ولكنها أعطته هذا الانتشار الواسع حتى أصبح معبودا لدى الشعراء الشاب عبر العالم بما فيهم شعراءنا. الشعر حين يرتبط بتجربة الجسد هو شعر محمود ومذموم في ذات الوقت، لكونه يشكل هذه النرجسية الكبيرة التي امتاز بها الشعر العربي ممثلا في قمة هي المتنبي. ما هي ملامح جسد المتنبي من خلال شعره؟ هل نستطيع رسم صورة متكاملة لهذا الجسد من خلال شعره؟ ونفس السؤال قد يصدق على المعري والحلاج إلا أن الجواب عند أبي نواس المهتم بقضايا الجسد قد يكون أسرع وأسهل. تجريب مادي يعبر عنه شعر روحي. ما هو الشعر المحمود إذن؟ أورد ابن رشيق في عمدته ما يلي " سئل أحد المتقدمين عن الشعراء فقال : ما ظنك بقوم الاقتصاد محمود إلا منهم ، والكذب مذموم إلا فيهم " وميز قدامة بن جعفر بين الشعر المحمود والمذموم قائلا: "ما يوجد من الشعر الذي اجتمعت فيه الأوصاف المحمودة كلها وخلا من الخلال المذمومة بأسرها يسمى شعرا في غاية الجودة ، وما يوجد بضد هذه الحال يسمى شعرا في غاية الرداءة " سيخصص قدامة كتابه كله للفصل بين الشعر المذموم والشعر المحمود انطلاقا من بنية القصيدة دون التركيز على مسألة الصدق والكذب ودون الخوض في ما يجوز للشاعر قوله أخلاقيا وما لا يجوز ، ونفس الشيء سيقوم به من أتى بعده بكثير من التفصيل والتدقيق كما هو شأن صاحب العمدة . كيف إذن سنميز الآن بين هذين النوعين في وقت أضحى الاحتكام إلى الوزن والقافية في تمييز الشعر الجيد عن غيره أمرا ثانويا بل ومذموما من طرف بعض المتعصبين لقصيدة النثر. لنبحث عن تحديد آخر ، ولنقل : إن الشعر المحمود هو : الشعر المرتبط بالذات، بالجسد، بالتجربة الكيانية في ارتباطها بالوجود. هذا هو الشعر المحمود وهذا هو شعر محمود درويش في الليلة الدرويشية .
الليلة الدرويشية ليلة تكريم للشعر والشاعر ولجمهور الشعر، ليلة عطلت فيها أجهزة الهاتف النقال في حضرة البهاء الجداري. جدارية محمود درويش ستمتد عبر الصوت الدرويشي الواقف المشكل للأذن العربية المخترق لجدارها والممتزج بجسدها. ملحمة تخترق جدار الصوت والصمت معا لتغوص به انطلاقا من تجربة كيانية وجودية أساسها الإنسان الفلسطيني، ولكن انطلاقا من تجربة حياتية كتبت في لحظة البين بين. برزخ بين الحياة والموت وجدارية تخترق هذا المتاه لتصل إلينا مخترقة. طبلة زمن الإلقاء الفعلي وهو ساعة وخمس وعشرون دقيقة ظل هذا الصوت ملفتا للانتباه في قاعة غاصة عن آخرها أكثر من اللازم في مسرح محمد الخامس ليلة.19.من شعر يونيو2000 جلس حوالي من ...ووقف مئات آخرون مشدوهين في جدارية معلقة زينت بجدارية عبارة عن ستار خلفي يضم أشعارا لشعراء مغاربة وأشعارا هي نفسها التي رددت في مسرحية البتول. الشعراء بغايا، الشعراء مرايا، عرايا، قضايا....
في الجدارية الدرويشية.يبتدئ الكلام ب:
" هذا هو اسمك/
قالت امرأة.،

وغابت في الممر اللولبي..."
لتنهي بتأكيد الشاعر:
أما أنا ـ وقد امتلأت
بكل أسباب الرحيل ـ
فلست لي.
أنا لست لي
أنا لست لي ..."

داخل كل الجدارية يصرخ محمود. "، كأني لا كأني" و" كأني لست مني"، و" لا أرى جسدي هناك".
تجربة الموت والحياة، وتجربة تجريب درجة احتمال أقصى نقطة في الجسد وأدقها للمقاومة نعني: القلب، هي أقصى حالات الابتلاء و التدريب على المواجهة، مواجهة الحاضر بالغيب والغيب بالحاضر، تذكر، تهيج، صراخ، تفلسف، ومضغة هي القلب في الواجهة، هل سأعيش داخل هذا الفضاء الأبيض؟ هل سأتذكر اسمي.؟ :" أين أيني الآن ؟ أين مدينة
الموتى ؟ وأين أنا؟ فلا عدم
هنا في اللاهنا...في اللازمان،
ولا وجود " ص 11.
" الوقت صفر لم أفكر بالولادة " ص 28 " لا عدم هناك ولا وجود" ص 28 الخ ..
سفر في الوجود انطلاقا من اللحظة .تجربة تجاور بين الهنا والهناك، بين الجسد الضعيف وقلبه المبتلى ليرى عمله تثقل موازينه شعرا، صوتا مؤثرا ممتزجا بجمهوره. شعر محمود درويش في لحظة الابتلاء هو قمة الصدق ولعله الصوت الوحيد أو يكاد في زماننا المجمع على كونه شعرا محمودا مغربيا على الأقل . وهذا ما سيدفع درويش للبوح قبل إنشاد جداريته للقول : " لقد طورني قارئي هنا في المغرب وفي غيره من بلدان اللغة العربية حين صدقني، طورني فقبل اقتراحاتي الجمالية المتواضعة".

1 ـ جدارية الاسم واللون :

الجدارية صوت محاصر بالداخل، جدار الجسد، جدار القلب، جدار المستشفى، الجدار يحجب الرؤية لا الرؤيا. الجدارية من الجدار نسبة آلة، " فالجدار : الحائط ، والجمع جُدُرٌ وجدران " ( اللسان مادة جدر ) . و " الجدار الحائط والجمع جُدُرٌ مثل كتاب وكتب ، والجدر لغة في الجدار وجمعه جدران " المصباح المنير ) و " جدر الرجل : توارى في الجدار "... و " الجدرة : حي من الأزد بنوا جدار الكعبة فسمو بالجدرة " (اللسان ) . الجدارية بناء إذن ، فهل هي جمع أم مفرد ؟ هل هي مذكر أم مؤنث؟ نقول غنائية وهوائية نسبة للغناء والهواء ، فهل الجدارية هي نسبة للجدار ؟ مهما يكن فالجدارية هي كل هذا . إنها صوت مفرد متفرد ينسب لصاحبه .
منذ اللحظة الأولى التي ستدخل بها الجدارية سامعا سيفاجئك التأكيد على الاسم واللون : " هذا هو اسمك " تذكير من طرف أنثى الشاعر سيتم في جو مكلل ببياض رهيب . " كل شيء أبيض " . ومنذ اللحظة الأولى التي ستحاول فيها اختراق هذه الجدارية ناظرا سيفاجئك اللون و الاسم . غلاف الديوان / القبر / القصيدة / المعلقة / الجدارية هو وجه آخر للشاعر إضافة إلى وجهه الشاعري الأنيق . الخط البارز الذي كتب به العنوان : " جدارية محمود درويش " يبين أن هذه الجدارية هي مفرد لوني منسوب لاسمه . يبتدئ بلون أخضر داكن نسبيا نتفتح بياضاته في القلب ، وقلب الغلاف أيضا 1 أبيض كما هو الشأن في توضيف الشاعر للون الأبيض في الديوان منذ المقطع الأول :

" كل شيء أبيض
البحر المعلق فوق سقف غمامة
بيضاء. واللاشيء أبيض في
سماء المطلق البيضاء. كنت، ولم
أكن . فأنا وحيد في نواحي هذه
الأبدية البيضاء. ....
...... أنا وحيد في البياض
أنا وحيد..." ص 10

على وجه الغلاف كتابة ناتئة للفظة " جدارية " باللون الأبيض ثم اسم الشاعر : " محمود درويش " بلون يميل إلى البرتقالي . جدارية بيضاء لقلب برتقالي، ووجه برتقالي للشاعر أيضا يبدو متفائلا مبتسما على صورة عبارة عن " بورتريه " portrait يرتدي فيه الشاعر قميصا أبيض وبذلة خضراء نازلة تكتسح كل الغلاف وتحاصر بقطرات دموية خفيفة نازلة من نافذة ملتصقة برأس الشاعر نصفها أحمر والنصف الباقي أصفر يتقاطع دمها مع كتابة بيضاء تبتدئ بجملة شعرية تلخص التجربة أو تبدؤها هي " هزمتك يا موت الفنون جميعها " يمتد الجسد الأخضر في القصيدة كلها مازجا الأسفل بالأعلى ، والظاهر بالباطن ، واللغة بالذاكرة ، والشعر بالقبر، الديوان الآخر والأول للشاعر ولكل شاعر في وحدة غريبة أليس القبر رمز الامتزاج بين الأنا واللا أنا، بين الهنا واللاهنا، بين الاسم المسجل أعلى الغلاف في الوجه والظهر ، وبين اللون الأبيض والأخضر .
تدخل جدارية الاسم إذن مسلحا بلونين أساسيين : وجه كل شيء أبيض . اللاشيء أبيض . الأبدية بيضاء . والشاعر يعيش وحيدا في البياض، وحتى المرأة المنبهة والمذكرة للشاعر بالاسم تغيب في ممر بياضها. إلا أن أرض القصيدة ستظل خضراء " خضراء أرض قصيدتي خضراء عالية ص 21. ص 41 و ص 68 .
سيتلون الاسم حين يذكر صاحبه أو حين يذكره صاحبه بما أنهما هنا متلاصقان ومتناسخان، ولذ سنجد الشاعر في نهاية تذكره أو استفاقته يصر ناسبا الجدار للبيت والاسم لصاحبه:

جدار البيت لي..
واسمي ، وان أخطأت لفظ اسمي
بخمسة أحرف أفقية التكوين لي :
ميمُ/ المتيم والميتم والمتمِّ مما مضى
حاءُ/ الحديقة والحبيبة ، حيرتان وحسرتان
ميمُ/ المغامرُ والمُعَدُّ المستعد لموته
الموعود منفيا، مريض المشتهى
واو/ الوداعُ ، الوردة الوسطى،
ولاء للولادة أينما وجدت، ووعد الوالدين
دال/ الدليل، الدرب، دمعة
دارة درست، ودوري يدللني ويدميني/
وهذا الاسم لي ... " ( ص : 102- 103 )

الجدار يحمي من العواصف من البرد من الحر، وقد يشكل حاجزا بين شخص وآخر. جدار برلين رمز للفصل بين ناس وناس، بين مذاهب ومذاهب، إلا إنه لم يمنع يوما ما هؤلاء الناس من الاختراق ومحاولة التسلل. ويوم تم تدميره، عاد الإنسان إلى الإنسان دون الدخول في تفاصيل السياسة. جدران"الفيزا" (التأشيرة) التي تضعها أغلب الدول" الغنية" على الدول الأقل "غنى" هي جدر وجدران فاصلة لا جدارية. الجدارية وسيلة لتعليق الكلام والصور والأحلام على حبل ناري يرتبط بالأذن فالجسد فالقلب، هاته المضغة العجيبة مثيرة الشاعر ومسببة محنه وأحزانه وأحلامه وجناته
الجدارية في التراث العربي ترتبط بالمقدس قبل الإسلام ومعه. ألم تعلق المعلقات المذهبات المسمطات على أستار الكعبة وجدارياتها لكل الناس تمجيدا للشعر وللشعراء: السلطة الأولى والحقيقية للقبيلة.
جدارية محمود درويش معانقة للروح وتعليق للكلام على طبلات الأذن رج ورج وتحريك للوجدان معانقة تجربة شخصية لحالة قلب بين يدي جراحين أجانب .
كم زمنا استغرقت العملية الجراحية التي أجريت للشاعر؟ أكاد أجزم من زاوية الشعر أنها نفس المدة التي استغرقتها الكتابة الأولى للجدارية بنفس الرموز، والشاعر هو من علقها على مسامعنا وفي متخيلنا بالاستعانة باللغة وقاموسها التي يضبطه درويش جيدا، بزخرفاته وتناصاته التي تغوص في الذات والتاريخ والأسطورة، من أنكيدو وجلجامش، إلى الغوص في المقدس المسيحي والإسلامي، إلى الارتباط بالأرض، بحائط أورشليم، بعكا أقدم المدن الجميلة .
درويش يرتبط باسمه منذ البداية هذا :" هو اسمك " ودرويش في لغة الدراويش هو متصوف زاهد عن الدنيا مرتبط بغيب لا يرى, آت, يفتح للغيب ألف حجاب، حالم رائي بحروف لها أنبياؤها، بمخارج حروف لم تنشأ عبثا، إذ كل رسم لجسم، لحرف، لكلام، له وظيفة لا يدركها إلا العارفون الضالعون الزاهدون الدراويش المنقطعون للعلم، للغيب، لتمجيد لحظة البين بين، للحظة العبور. وهو ذا الشعر والشعر المحمود رطبا ويابسا يصل عبر مطولة هادئا ولكن بصوت ناري يمجد في المساء كل صباح ويصرخ في الحرف أداة الصوفية الدراويش الكبار:
" وأنا الغريب بكل ما أوتيت من
لغتي. ولو أخضعت عاطفتي بحرف
الضاد، تخضعني بحرف الباء عاطفتي" ص : 22
لذلك:

" كلما فتشت عن نفسي وجدت
الآخرين. وكلما فتشت عنهم لم
أجد فيهم سوى نفسي الغريبة" ص 23

غربة حلاجية أساسها الجسد المعذب في الوجود المرتبط بالمنفى بالجدار. وجدارية الحرف تقود لجدارية أخرى أعمق هي جدارية الشعر، وهوية الشعر في ارتباطه بالفلسفة, برؤيا تنطلق من العين لتأسيس المتخيل، أساس كل شعر وكل فكر، بل وكل وجود كما يقول بن عربي. تقول الجدارية في درة الصفر في الزمن البيني : " رأيت طبيبي الفرنسي يفتح زنزانتي .. رأيت أبي عائدا ... رأيت شبابا مغاربة يلعبون الكرة .. رأيت روني شار يجلس مع هايدجر على بعد مترين مني ....رأيت المعري يطرد نقاده قائلا لست أعمى لأبصر ما تبصرون.... رأيت بلادا تعانقني بأيد صباحية ..." رؤيا ورؤية آتية من عمق الحالة الجدارية التي يعيشها الشاعر بتفاصيل دقيقة.

2 - جدارية الوجود

من جدارية الشعر تنحدر جدارية أخرى أكثر عمقا هي جدارية التاريخ. ألم ينشأ درويش العربي الفلسطيني بجوار اليهودي الإسرائيلي؟. ألم يعشق منذ البداية صبية يهودية صغيرة اسمها "رتا" ( هذا ما صرح به ذات برنامج أنجزته قناة فرانس 3 الفرنسية في نهاية التسعينات) ورتا ستتحول على لسان كل مغربي صغير وكبير بواسطة صوت ولحن الفنان الكبير مارسيل خليفة.إلى شبه أسطورة . ثم إن المجاورة بين اليهودية والإسلام هي تاريخ من جذر إبراهيمي يشترك في يمينية الكتابة ( الكتابة من اليمين إلى اليسار)، في تقديس أماكن الصلاة، في التشدد في القيم وفي...
يقول محمود :

" أعلى من الأغوار كانت حكمتي
إذ قلت للشيطان : لا. لا تمتحني
لا تضعني في الثنائيات، واتركني
كما أنا زاهدا برواية العهد القديم
وصاعدا نحو السماء، هناك مملكتي
خذ التاريخ، يا ابن أبي، خذ
التاريخ... واصنع بالغرائز ما تريد " ص: 42-43

الجدارية معلقة على آذان الجار والعدو، الرافض لكل حوار إلا بشروطه " البلفورية" أليس وعد "بلفور" أعقد جدار يواجه كل عملية سلام.؟
قد تكون التجربة الدرويشية المعمرة أزيد من أربعين سنة متميزة هنا كما هو الشأن في تحولاتها الأولى منذ قصيدة أحمد الزعتر و سرحان يشرب القهوة في الكافتريا وصولا إلى سرير الغريبة أنشودة الحب وسوناتا القلب البشري شكلا ومضمونا كما يقول صبحي حديدي ( القدس العربي 28 يونيو 2000 ). تغيير في الرؤيا، وعبور من المنفى إلى الذات، وبحث عن أسئلة أخرى يقول عنها الشاعر في لقاء مع الجمهور الفرنسي جرى في باريس من أيار ماي 1997 : " على مستوى اللغة الشعرية فإن الشعر بشكل عام هو رحلة بين الثقافات واللغات والأزمنة. لا يستطيع الشعر أن يكون" وطنيا" بالمعنى الضيق للكلمة، ولكن بسبب وجود تعاقد موضوعي بين الشعر والجماعة... لا أعرف إذا كان في وسعي أن أنظف نفسي من الجماليات الثقافية للمنفى. ولا أعرف إذا كان في وسع الفلسطينيين الذين ولدوا وترعرعوا خارج وطنهم ( أي في المنفى) أن يجدوا ذاكرتهم الفردية خارج شرط المنفى. ولا أعرف إذا كان في وسعنا ـ عندما تتحقق العودة ـ أن نواصل وضع المنفى كمفهوم مطلق مضاد لمفهوم الوطن. ولكن كل هذه الأسئلة مؤجلة، هذه أسئلة مترفة تحتاج إلى شرط موضوعي في طرحها, وهو أن يكون للفلسطيني حق في وطن يلعنونه أو يكرهونه. أنا لا أستطيع أن أمدح المنفى ما دمت ممنوعا من هجاء الوطن، ولكن يبدو لي أن فلسطين المتخيلة أكثر إطاعة لمخيلتي الشعرية من فلسطين الواقعية. وهذه مشكلة شخصية ووطنية، لا تسمح للإسرائيليين بأن يواصلوا وضعي في المنفى. ولهذا يجب أن أكتب شعرا أفضل " 1
شعر أفضل هكذا، شعر محمود في الجدارية يجيب عن سؤال ظل يتردد في الوطن العربي وفي المغرب مفاده : عم سيتحدث الشعر الشعر الفلسطيني بعد العودة؟ وكأن التصاق اسم درويش هو التصاق أبدي بالقضية الفلسطينية وبوضعية الشاعر في المنفى.
الجدارية عودة للذات في أدق تفاصيلها، وللجسد خاصة، للقلب كعضلة مادية جربت فيها سكاكين الجراح الفرنسي لحسن الحظ وليس الاسرائلي، وابتلي فيها الشاعر وخرج منتصرا من بلواه، وخرج معه آخَرُ الشاعر الذي هو جمهوره المتلقي المطور منتصرا على متاعب الذات وتضاريس الجسد الذي لا بد أن يمرض ليستمر كالجدار كالجدارية واقفا ممتدا.
الجدارية بحر يختار الكامل ( متفاعلن ) وهو سمي كاملا لتكامل حركاته وهي ثلاثون حركة ، ليس في الشعر شيء له ثلاثون حركة غيره1 وهو البحر المفضل لدى الشاعر. إذا أضفنا لذلك ما تضيفه قصيدة النثر من تحر في القافية والأضرب ، وما يضفيه الشاعر من التناغم عليه أدركنا هذا التأثير الباهر للشاعر على أذن المتلقي، ولذلك فكل محاولة تقليد له ستسقط في النسخ لا محالة، لذا فاختيار البحر والحرف ثم الرمز والصورة يشكل تفردا للشاعر وهو يبحث هنا عن تفرد آخر هو الجسد، بجدارية تكسح العين من خلال الأذن وترسم صورا متلاطمة ملونة داكنة قاتمة أحيانا شديدة بياض الثياب شديدة التأكيد على سؤال الوجود تارة أخرى.
ما هو الزمن الحقيقي لكتابة قصيدة ملحمية مثل الجدارية الدرويشية هل هو زمن ولادتها الأولى؟ زمن الشحن, التجربة الجسدية. أم هو زمن التأمل وقت التباعد والتنظيم واللغة. الغوص داخل تفاصيل من هذا النوع وقد أجاب عنها الأقدمون بطريقة ما في السابق من خلال حديثهم عن الصنعة والطبع، عن الموهبة وصقلها، عن التلقائية والتكلف وما إلى ذلك، ما نريده الآن هو البحث عن العلاقة الحقيقية بين نص الجدارية المكتوب المتلو المردد على مسامعنا، وبين هذا النص في تشكله الأول، نقصد الزمن البين بين، الزمن الذي كان الشاعر فيه بين لحظتين موت/وحياة، إدراك/ولا إدراك. في هذا الحد الفاصل بين الأبيض والأخضر، بين الحياة واللا حياة ، بين الإدراك وعدمه نشأت الجدارية . علها تحد ولو مؤقتا من سلطة هذا القاهر : الموت :

......لا تحدق
يا قوي إلى شراييني لترصد نقطة
الضعف الأخيرة. أنت أقوى من
نظام الطب. أقوى من جهاز
النفس.... " ص: 52-53
ولكن هذا الجدار الذي يحد من حياة الإنسان وإدراكه المباشر للأشياء سيهزم على جدارية محمود درويش :
" هزمتك يا موت الفنون جميعها
هزمتك يا موت الأغاني في بلاد
الرافدين.... " ص: 54

زمن الخروج الباطني، الزمن الأول المهيج لشيطان الشعر وجنيه هو زمن الحاضر، زمن بيني يأتي في المنتصف تماما. بين الموت والحياة . بين الإدراك والممات . فالكلام وبداياته وترتيبه حروفا : أمر ليس بيد الشاعر في هذه الحالة : " لأن كون الحرف من الحلق ليس بأمر طبيعي وعقلي واجب ، وإنما إنما هو أمر جعلي بمقتضى المشيئة ، ويجوز أن يكون ذلك في الحيوان مع قدرة إلهام ، ولا ينتهي إلى المعاني الكلية التي هي خاصية العقل " كما يثبت الشيخ إدريس بن أحمد الوزاني في رسالته المسماة : كتاب التنبيه والإيقاظ والثبات لنفي اللزوم العقلي بين الإدراك والحياة . نستعير هذه المقولة من علم الكلام للخوض في الزمن الأصلي لخروج القصيدة. أليست القصيدة كلها جدارية كلامية ترتبط بالشعر والوجد والتصوف والكلام أيضا
الجدارية بناء شعري لتجربة جسدية في لحظة يصعب فيها تذكر الاسم من قبل الأنا هذا يحتاج إلى من يذكره به " هذا هو اسمك قالت امرأة ". اللبنة الأولى لبناء الجدارية اسم ونسيان وامرأة وإشارة وتلخيص لكل بناءات قصيدة الشعر المحمود المتحول بين مخاطبة الآخر جلادا " سجل أنا عربي "، ومخاطبته أنثى للشاعر" قالت امرأة ". وبين هاته المسافة الطويلة محطات وجداريات ستكتمل في لحظة البين بين، لحظة اللا إدراك في امتزاجها بإدراك بيني أبيض هو ما سيؤدي إلى ثورة الحرف على حرفيته.
هذه الإشارات التي أوردناها هنا قد لا تفي الجدارية حقها ، فهناك مستويات أخرى للتحليل نذكر من بين أهمها : جدارية الصوت والصمت من خلال تحليل أزمنة النص وامتداداته ، ثم جدارية متناصة من خلال الحديث عن العلاقة بين الجدارية وبين النصوص البابلية والسومرية في الموت والطوفان، ألم يقل جلجامش : يا كوخ القصب ، يا كوخ القصب ، جدار يا جدار. أصغ يا كوخ القصب وتفكر يا جدار " وهو نفس الأمر المذكور في الطوفان السومري " وعندما وقف زيوسودرا قرب الجدار سمع صوتا : قف قرب الجدار على يساري واسمع " وهذا أمر سنعود له بالتفصيل في مكان آخر مع مقارنة ذلك بنصوص العهد القديم والجديد ونصوص القرآن الكريم .
قد يسعفك النثر "العادي" رغم مكرهاته في قول ما تود قوله، ولكنه لن يسعفك في رؤية ما تريد أن تراه.ومن هنا ضرورة الشعر لتطويع البناء للنفْس والنفَس رغم كون المسألة في غاية التعقيد، فهي تعاش شعرا بالتجربة وحين يراد التعبير عنها بالنقد والتفكيك تصادف جدرانا من الاستعصاء. ومن هنا تبقى الجدارية مرتبطة في زمنها بالمتلقي بكل درجاته. متعة الأذن والعين والمتخيل وخلخلة مقدسها ومساءلة مدنسها عن أحوال الطقس في العالم الآخر عن فعل الموت وشكله ولونه وطعمه ورائحته.

" هل المناخ هناك معتدل ؟ وهل
تتبدل الأحوال في الأبدية البيضاء،
أم تبقى كما هي في الخريف
وفي الشتاء؟وهل كتاب واحد يكفي
لتسليتي مع اللاوقت، أم أحتاج
مكتبة؟ وما لغة الحديث هناك،
دارجة لكل الناس أم عربية
فصحى/... ص : 51

أسئلة الوجود هي أدوات أساسية في بناء الجدارية التي تخترق العين قبل الأذن من أجل طلب مهلة لإتمام الدور ، لتعميق السؤال ، لمحورة الوجود :
" أيها الموت انتظرني خارج الأرق
انتظرني في بلادك. ريثما أنهي
حديثا عابرا مع ما تبقى من حياتي " ص: 49.
خيرا فعلت أيها الموت بمحمود لإثبات الشعر المحمود الذي بدون تجربة حقيقية لا يمكنه أن يعيش ولو بتحديه لحياته.

3 جدارية الصوت والصمت:

مدخل عن الشاعر وصوته
التقاطعات بين أصوات النص ومستوياته المتعددة وبين مستويات الصمت سيضفي على الجدارية طابعا تخييليا يحيل إلى علم الموسيقى من جهة وإلى مسألة التصور والصورة من جهة أخرى وهما عمليتان متداخلتان في كل الكتابات الدرويشية إلا أنها هنا ستظهر بوضوح فإذا كان الخارج كداخل يمثل البنية الأساسية في تركيب قصيدة "بيروت مثلا " وإذا كان الآخر بكل تجلياته في الذات يمثل بنية أجرى في قصيدة " أحمد الزعتر" فإن البناء الملحمي في الجدارية سيتجاوز المسألتين معا ليتشكل الصوت إيقاعا وتركيبا ولغة كصوت داخل/خارج وخارج/داخل. ولنبين هذا الأمر سنكتفي ببعض الإشارات التي لاحظناها أو أثارت انتباهنا كمتلقين للنص وكقراء مساهمين في بناء النص.
هناك مستويات متعددة ومتآلفة ومتقاربة في أصوات الجدارية و تحيل على لحظة البين بين إنه الزمن البرزخي الذي عاش فيه الشاعر بين الأسفل والأعلى على سرير "ليس سريرا للغريبة" بقدر ما هو سرير الصراع مع الموت هذا القادم القوي:

...أنت أقوى من
نظام الطب.أقوى من جهاز
تنفسي.أقوى من العسل القوي" ( ص:53)

1 صوت الماضي ممتزج بلحظته منذ البداية ارتباطا بلحظة التذكر تذكر لحظة المحنة لحظة الابتلاء والاختبار.
فمنذ البداية درويش:

هذا هو اسمك
قالت امرأة
وغابت في الممر اللولبي.

المرأة تنبيه لما حدث في الماضي القريب وتغيب لتترك للشاعر لحظة تذكره.
إن هذا الصوت الأتي من المرأة سيمتزج بأصوات أخرى بعيدة تؤنث فضاء الجدارية وتلونه بتلوينات ستعود إلى الأصل الأول على الإنسان الأول رموز أخرى في الماضي أنبياء وشعراء وأناس عاديون والشاعر ولعل حركة الفعل الأول "كنت أحلم" (ص:9) ثم " كنت أعلم " ثم " أطير " التي ستفضي للحظة الحاضر: سوف أكون ما سأصير هي بداية التجميع والتذكر والتي ستعطي هاته الإشارات
في الجدارية عدة أفعال مركبة في الماضي ابتداءا من كنت إلى سأكون إلى أريد أن أحيا وهي أفعال ترتبط في غالبيتها بالذات الباثة في لحظة الحرج الذي سيقود إلى من هذه الأفعال: تعبت ـ رأيت ـ كنا ـ تركت ـ نسيت ـ كنت إلا أن هذا الصوت سيتخذ كمطية ركوب الحاضر من أجل الغد وربما هذا هو الأهم لقول ما يمكن قوله وما يجب قوله.

2 صوت الحاضر: هو المهيمن على كل، ولعل استعمال الفعل في الحاضر هو لتسجيل لحظة صدق تمتزج بصمتها وتتركنا واقفين منتظرين الآتي كما هو شأن الشعراء الكبار. ومنذ فعل أرى (ص 9 ) هذه الرؤيا أو الرؤية ممتزجة بالذاكرة والتذكر ومحيلة إلى بواسطة فعل الأمر الذي يتوجه عادة للذات الشاعرة وبالتالي لكل متلق لهذا الشعر المحمود.

حركة هذا الزمن/ الصوت تبتدئ بهذا المقطع: [أرى السماء هناك في متناول الأيدي
ويحملني جناح حمامة بيضاء صوب
طفولة أخرى ولم أحلم بأني
كنت أحلم. كل شيء دافعي. كنت
أعلم أني ألقى بنفسي جانبا
وأطير. سوف أكون ما سأسير في
الفلك الأخير.]

إذا أخذنا أصوات هذا المقطع فإننا سنجد أن حركة الأفعال التي تبتدئ بالفعل أرى ستمثل إلى أفعال أخرى هي بالتتابع:
أرى ـ يحملني ـ لم أحلم ـ كنت أحلم ـ كنت أعلم ـ ألقي ـ أطير ـ سوف أكون ـ سأصير ]
هذا التأطير المقدمة المدخل هو بداية قصيدة لم يكتبها درويش في الأصل بل كتبها في المرحلة اللاحقة من بناء الجدارية وكتابتها. يقول درويش في حوار أجراه معه سامر أبو هواش [الكتابة الأهم عندي هي الثانية الكتابة الأولى هي الكتابة الحرة. والكتابة الثانية هي الأمتع التي أهتم فيها في بناء النص وفي الإمساك أكثر بإيقاعه والكتابة الثالثة هي النهائي وهذه أقوم بها بعد عرض عملي على عدد من الأشخاص... مثلا الجدارية أقرأتها لأحد الأصدقاء الذي لا علاقة له بالشعر فقال لي أنه يشعر أنه قرأ سابقا الصفحات الثلاث الأولى من دون تردد ]
الشعر المحمود يهتم بكل شيء الخارج والداخل سواء كان شعرا إيقاعيا يعتمد البحر كصوت كما هو شأن درويش أو كان شعرا يعتمد الخارج والداخل أي الإيقاع المعتمد على البحر والتفعيلة وغيرها كما هو شأن أدونيس أو قاسم حداد على سبيل المثال لا الحصر أو كان شعرا يعتمد التكسير الكلي للإيقاع الخارجي والاعتماد على الخارج فقط كما هو شأن أنسي الحاج مثلا.
ولعل ترتيب المقاطع في شعر درويش هذا الطرح فهو يهتم بكل جزئيات النص كتابة وصوتا أليست العين تسمع والأذن ترى في الشعر المحمود؟
صوت الغد: هو مؤطر ثان للنص بعد صوت الحاضر الممتزج بالماضي انطلاقا من رؤيا ورؤية حقيقيتين.
" لم أحلم بأني كنت أحلم " الشعر حلم متحرك وحلم الشاعر هو جزء من لحظته الحاضرة امتزاج الحلم بالألم هو ما ينشئ الشعر.[ مقطع من الشعر والألم ]
الصوت المتجه نحو الذات : أفعال مثل : سأصير ـ أريد أن أحيا ـ في ارتباطها بالذات ثم أفعال أخرى مرتبطة بهذا الآخر الذي يريد إطفاء الذات كجسد أي الموت وهنا يتجه الفعل له في أغلب النص بصيغة الأمر: يا موت انتظر ـ فلتكن العلاقة بيننا ودية ـ ضع أدوات صيدك... علق سلسلة المفاتيح الثقيلة ـ كن من أنت ـ قل ـ خذ ـ استرح ـ اصنع بنفسك ما تريد.

تمتد هذه الحركة في منتصف الجدارية تماما أي بين ( ص49 و 55 ) هي أوج الجدارية التي ستفصلها في لحظتين حياة / موت وفي زمنين ماضي /حاضر وفي ذاكرتين القول/ التذكر وبين اتجاهين صوت / صمت كل هذا في معركة هي معركتنا جميعا منذ أنكيدور رحلة الأستوريين إلى العصر الرقمي والاستنساخي والجيني.
أصوات النص المركبة أفعالا تأتي في لحظة بين لحظتين إذن بين الصمت والصوت في سؤال وجودي عميق حول الذات والأشياء وأصل العالم ومصير الإنسانية إنها جدارية العودة عودة الإنسان إلى الأصل وهي تتقاطع بشكل ما مع جدارية العودة التي هي جدارية عودة الإنسان الفلسطيني إلى أرضه. فهل هي مصادفة أن نجد وهي جدارية حق العودة وهي عمل فني يوظف التراث الفلسطيني بتطريز 1134 قرية ومدينة فلسطينية على قطعة قماش 30×30 سم حسب الرسومات جدارية تعلن حق العودة عن موقع الصوت العربي الحر عبر الانترنيت أي حق الحياة ؛ الحياة الأصل في الوطن الأول حيث الميلاد والنشأة الأولى. فهل تحيل المطرزة إلى جدارية الحياة الدرويشية أم أن جدارية درويش الصوتية هي ما يحيل إلى المطرزة العينية. لا فرق كل طرف يكمل الآخر والشعر المحمود هو ما امتزج فيه الذاتي بما هو خارج الذات.

4 بين الأعلى والأسفل جدارية البرزخ

يقول محمود درويش في جداريته: "قام أنكيدو ولم ينهض" (ص:81)
قمة
الإنسان
هاوية (ص:83)
" أنكيدو ترفق
كن وعد من حيث مت، لعلنا
نجد الجواب، فمن أنا وحدي: (ص:83)
ولكن
" كل شيء باطل أو زائل، أو
زائل أو باطل" ( ص: 85 )

بين الأعلى والأسفل ومن خلال منطقة الظلمة الدقيقة هاته تأتي هاته المقاطع التي تمثل بؤرة النص إنها منطقة الاستعصاء في أقصى لحظات الصراع مع المرض والجراح مع الذات والآخر ولكن المنتصر هو الشاعر ومعه الشعر ومعه نحن متلقي هذا الشعر.
رحلة البحث في الخلود هي رحلة البحث عن السراب هذا ما اكتشفه الإنسان منذ بداياته الأولى فكل شيء زائل حسب النص القرآني.
(كل نفس ذائقة الموت ) ( كل شيء زائل وما يبقى إلا وجه ربك )ومنذ جلجامش ملحمته الرائعة يظل البحث عن الخلود مجرد سراب لن يتحقق لقد كان جلجامش بطل مدينة أوروك وملكها، ثلثه إله وثلثاه بشر ، قضى حياته في الصيد واللهو والبطش بالناس ، متشبثا بقوته الخرافية وطاقته المتفجرة. ثم يتعرف على أنكيدو، نده، وتغير الصداقة العميقة التي ربطت بينهما مجرى حياته، فيقرر تحويل قواه وطاقاته للعمل المجدي الذي ينفع الناس، يقوم الصديقان بمغامرات عديدة ذات أهداف سامية، إلا أن أنكيدو يموت نتيجة إحدى هذه المغامرات. وهنا يصحو جلجامش على المأساة الحقيقية في حياة البشر. ويهيم على وجهه في الصحاري والبراري. تاركا عرشه ومملكته باحثا عن سر الخلود وإكسير الحياة يدفع قدر الإنسان الفاني فهو رغم ثلثه الإلهي فإن البشري يشده إلى المشترك بين الإنسان
إنه المصير المشترك لبني الإنسان الموت النهاية الجسدية. لعل هاته النهاية أو الإحساس بها هي ما دفع شاعرا كبيرا مثل درويش لإنشاء الجدارية جدار ضد الموت والصمت والهزيمة تعليق للقول على اللافعل إنه تعليق ( من المعلقات)لقول ضد لا فعل في زمن.
جدار يسجل لا محالة على الجدار الأول جدار الإنسان. قد ترمز الجدارية إلى الخلود بمعنى من المعاني خلود نسبي
يقول درويش: ( هزمتك يا موت)
وحين وصل جلجامش إلى أوتنابشتم وهو الإنسان الذي منت عليه الآلهة بالحياة الخالدة سأله عن عز الخلود فأجابه هذا الأخير بأن ما حصل هو أمر فريد لن يتكرر بسهولة لأحد من بني البشر يقول النص الأصلي : وقال أوتونابشتم لجلجامش: جلجامش... سأكشف لك أمرا كان مخبوءا وأبوح لك بسر من أسرار الآلهة "شوريباك" مدينة أنت تعرفها، تقع على شاطئ نهر الفرات لقد شاخت المدينة والآلهة في وسطها كان هناك أنو أبوهم كما كان " إنليل" مستشارهم و ممثلهم واينوجي وزيرهم وننجيكو الذي هو أيا كان حاضرا أيضا فنقل صديقهم إلى خوخ القصب: ياكوخ القصب ياكوخ القصب جدار يا جدار اصغ يا كوخ وتفكر يا جدار كوخ القصب هو بيت أوتونايشتم أي هو بيت الإنسان الخالد قد لا يكون أوتونايشتم وحده رمز الإنسان الخالد إذ سنجد زيوسودرا كذلك إنسانا خالدا في التراث السومري إذ بعد إنهاء الطوفان زيوسودرا يكافأ على عمله بإعطائه نعمة الخلود وإسكانه أرض دلمون جنة السومريين يقول النص السومري : في تلك الأيام زيوسودرا كان ملكا وفيما على المعبد قام بتقديم قربان عظيم وجعل يسجد بخضوع ويركع بخشوع ودونما كلل توجه للآلهة في المعبد فرأى في أحد الأيام حلما لم ير له مثيلا الإله [...] جدار [...] وعندما وقف زيوسودرا قرب الجدار سمع صوتا:"قف قرب الجدار على يساري واسمع سأقول كلاما فاتبع كلامي أعط أذن صاغية لوصاياي إنا مرسلون طوفانا من المطر [...] لماذا الجدار في الملحمتين؟ وما هي دلالته؟ وما مقدار التناص بينه وبين جدارية محمود درويش ؟
وقد يشير الجدار إلى حالة مادية تقود لحالة نفسية الجدار يقي من الصوت كما أنه يحجب الرؤية لا الرؤيا.
الكلام خلف الجدار هو كلام من وراء حجاب لذا قد تتصور ما هو مكتوب في الكلام المحذوف من النص السومري فرأى في أحد الأيام حلما لم ير له مثيلا الإله [...] جدار [...] وعندما وقف زيوسودرا قرب الجدار... هل يمكن أن يكون زيوسودرا قد رأى نورا أو ضياء أو خلف جدار يأمره بالوقوف خلف الجدار ولذا لم يقترب من منطقة الظلمة أتت الجدارية أو بالأحرى من منطقة بين الظلمة والبوح ولذا سيحاول درويش نشر هذا الصوت خلف الجدار خلف الحجاب كل شاعر سيحاول ولو مرة واحدة في حياته أن يواجه جداره بجدارية يحقق فيه كلامه ناشرا ما بالظلمة للآخرين. وقد يلخص درويش عالميا كل طموحاتنا عن الشعراء ومتذوقي هذا الشعر. في النص البابلي سنجد هذا الكلام على لسان الآلهة والذي سينقله "أيا" "ياكوخ القصب، ياكوخ القصب، جدار يا جدار اصغ يا كوخ القصب وتفكر يا جدار" فإذا كان كوخ القصب هو بيت الإنسان الخالد فإن جداره هو جدار الإنسان الخالد. تعود ملحمة جلجامش البابلية إلى عام 2650 ق م وهي الملحمة التي انطلق فيها جلجامش يبحث عن لغز الموت ليكشف سر الخلود وكان الواقع هو فقدانه لصديقه" أنكيدو" الوجه الآخر للشاعر جلجامش الذي ثلثه بشر وثلثاه إله إنه : هو الذي رأى كل شيء ولكن جلجامش يتحقق من خلود صديقه أنكيدو في العالم السفلي لقد احتفظت به الآلهة لوحدها واحتفظت بالتالي بالخلود. ولذا سنجد شهرة أنكيدو أكثر من شهرة أوتونايشتم لماذا الرجوع إلى العوالم القديمة؟ قد نلتمس الجواب لدى الكاتب الروائي والمسرحي جان جيرودو الذي يبين سبب لجوء المسرح إلى الكتب المقدسة والملاحم القديمة والمنابع الكلاسيكية لاستمداد القوة واكتشاف الاهتمامات الشائكة بمشكلة الإنسان.
مشكلة الإنسان هي مشكلة وجودية قبل أن تكون مشكلة أو قوت أو....
وتتعقد الأسئلة الوجود الذاتي الفيزيقي والوجود النفسي في ارتباطهما بالزمن والوقت في زمن الابتلاء ألم يخلق الله الحياة والموت من أجل
الابتلاء "هو الذي خلق لكم الحياة والموت ليبلوكم أيكم أحسن عملا"
ابتلاء أمام جدار الموت هو ما سينشئ الجدارية هاته المطرزة الصوتية الداعية للعودة للأصل للبيت الأول يقول درويش السائر بين الرؤية والرؤيا على أرض الناس على ماء الخلق يقول مضيفا ومؤكدا على حقه في امتلاك البيت والأثاث والجدار الذي يعلق عليه جداريته

" هذا الهواء الرطب لي
هذا الرصيف وما عليه
من خطاي وسائلي المنوي...لي
ومحطة الباص القديمة لي. ولي
شبحي وصاحبه. وآنية النحاس
وآية الكرسي، والمفتاح لي
والباب والحراس والأجراس لي
لي حذوة الفرس التي
طارت عن الأسوار...لي
ما كان لي، وقصاصة الورق التي
انتزعت من الإنجيل لي
والملح من أثر الدموع لي
جدار البيت لي ..." ص (101 ـ 102 )

الجدار جزء من كل من جدران من شقق من بيت من مكان وهواء. متنفس تستطيع أن تعلق عليه ما تشاء. وحدك من يقف أمام جدارك تحاوره وتحاور من خلفه آخرك الذي قد يكون أنثاك أو أي آخر غيرك قد يكون ندك كما هو شأن أنكيدو قد يكون مخالفا قد يكون عدوا أو قد يكون شعرك بكل اختصار. والاستعصاء جزء من البلوى والابتلاء يخرج منه الشاعر قويا منتصرا على مرضه. ولكن متسائلا أسئلة جوهرية مفادها.

"...وماذا بعد؟ ماذا
يفعل الناجون بالأرض العتيقة؟
هل يعيدون الحكاية؟ ما البداية؟
ما النهاية؟ " (ص: 48 )
ويكون الموقف نفس موقف جلجامش مع صديقه أنكيدو إذ:
الموتى ليخبرن الحقيقة.../ " (ص: 48 )

أي حقيقة هذه؟ حقيقة الكائن أم حقيقة الممكن ،الذات أم صفاتها إنها غربة إلى غربتنا جميعا من أنكيدو إلى الحلاج إلى درويش ويبقى الشعر المحمود خير دواء لغربتنا هاته غربة الكينونة وغربة الذات في اللغة والأشياء يلخصها هذا الصوت الشامخ حين يقول:

" وأنا الغريب
بكل ما أوتيت من
لغتي ولو أخضعت عاطفتي بحرف
الضاد تخضعني بحرف الباء عاطفتي،
وللكلكات وهي بعيدة أرضي تجاور
كوكبا أعلى. وللكلمات وهي قريبة
منفى. ولا يكفي الكتاب لكي أقول:
وجدت نفسي حاضرا ملء الغياب
وكلما فتشت عن نفسي وجدت
الآخرين وكلما فتشت عنهم لم
أجد فيهم سوى نفسي الغريبة
هل أن الفرد ؟ "

لا يسعنا إلا أن نجيب كقراء لهذا الشعر نعم أنت الفرد.واحد بصيغة الجمع صيغتنا جميعا حسنا فعلت أيها الموت إلخ
في مواجهة الجدار
ليس حائطا للمبكى قدر ما هو حائط شعري سيحول إلى جدارية حياة جدارية انتصارية ولكنها تبكيك كما أبكت الشاعر. لست شاعرا إذا لم تبك ألم يبك أدونيس مرارا على الملأ ألم يبك محمد بتيس بشهقات واضحة أمام جمهوره. لست شاعرا إذا لم تبكيك لحظة أو لحظات تنغرس في رأسك تخلخلك أنت عاجز الشعر وعجزك هذا هو قوتك لذا فبكاء الشعر والشاعر بكاء يخرج الغمة التي طالت لا شعر بلا غمة ولكنها طالت للتفريج عن الغمة نلتجئ للبكاء هذا ما فعله محمود درويش يقول في حواره مع سامر أبو هواش الذي نسوق منه هذا الاستشهاد:

ـ هل بكيت كثيرا في حياتك؟
كثيرا وما أنا أبكي
ـ تبكي تذرف الدموع أم تخبؤها؟
أذرف الدموع
ـ ما الذي يبكيك؟

أشياء كثيرة أحيانا حين أشاهد التلفزيون وأرى مشاهد الانتفاضة، مشهد محمد الدرة أبكاني مثلا، وقد يفاجئك أن الأفلام العاطفية القديمة تبكيني
ـ متى بكيت آخر مرة؟

* قد يفاجئك هذا، لكنني بكيت هنا في لبنان خلال ،فخلال إلقائي المقطع الذي أقول فيه: " وأنا وقد امتلأت بكل الرحيل/ فأنا لست لي/ أنا لست لي" وحين وصلت إلى العبارة الأخيرة غالبتني الدموع وفاجأتني ووجدتني أدير وجهي إلى الجهة الأخرى لكيلا يرى الحضور ذلك. وهذه ربما هي المرة الثانية التي أبكي فيها على المنبر..."

 

 

الشاعـر وظله

أحمد العمراوي
المغرب

أحمد العمراوييرتبط الظل في المتخيل بالشجرة، فيأخذ قدسيةً ترتبط بالطبيعة وبالشعر. حين يثار لفظ الظل يتجه فكرنا إلى النخلة أو الصفصاف أو الزيتون أو الكرمة، وقلما نعير اهتماما للظل الناتج عن ناطحات السحاب. ظلُّ الشجرة متغير متحرك باستمرار، ظل ناطحات السحاب ثابت يحجب نور الشمس ليل نهار، الغمام ظل الشمس في حمى الأربعين أو أكثر، والظل لباس كل جرم وجسم ثابت أو متحرك . هكذا يتخيله الشعراء على الأقل .
يرتبط الظل إذن بالمظل أو المظلل. ظل النخلة مستطيل، ظل الكرمة دائري مثقب، ظل الزيتون يشبه حبات الزيتون، ظل النملة لا لون له، ظل الغمام متحرك متأثر بحركة الرياح، وظل الضبع يخيف بمجرد التفكير فيه...
لون الظل واحد في ظاهره إلا أنه متعدد في العمق، قد يكون أسود في واضحة النهار، وقد يصير باهتا خفيفا مع دنو الليل ومع بزوغ فجر كل يوم أيضا...
مجمع الظلال هو مجمعٌ لقصب مائي يثير شهية الناظر والمتلظي بِحَرِّ الهجير في يوم شديد الوقع. تقول العرب:" ليس شيء أظل من حجر، ولا أدفأ من شجر، ولا أشد سوادا من ظل، وكلّ ما كان أرفع سمكا كان مسقط الشمس أبعد، وكلًّ ما كان أكثر عرضا وأشد اكتنازا كان أشد لسواد ظله…… والظل بيت الشاعر الذي يقيم فيه …ويقال للبيت العظيم مظلة… والظل العز والمنعة … ويقال فلان يعيش في ظل فلان أي في ذراه وكنفه.
والظل هو الضوء الثاني، وهو الحاصل من مقابله المضيء بغيره، وقيل هو الضوء الثاني الحاصل من مقابلة الهواء المضيء … ثم إن للظل مراتب كثيرة متفاوتة بالشدة والضعف، وطرفاه النور والظلمة، فالحاصل في فناء الجدار أقوى وأشد من الحاصل في البيت لكونه مستفادا من الأمور المستضيئة من مقابلة الشمس الواقعة في جوانبه… وينقسم الظل في داخل البيت ( والبيت مكون أساسي في القصيدة وفي الشعر ) بحسب مراتبه في الشدة والضعف إلى غير النهاية، ولا يزال الكل يضعف بسبب صغر الكوة حتى ينعدم بالكلية وهو الظلمة .
من امتزاج النور بالظلمة يتكون الظل، وبناء عليهما يتم تقسيمه، ومن ثَمَّ تتعدد أساميه، "فالظل الأول هو المأخوذ من المقياس المنصوب على موازاة سطح الأفق كوتد قائم عموما على لوح أو جدار
قائمين عموديين على سطح الأفق، ويسمى أيضا الظل المعكوس والمنتصب والمستعمل والمطلق، والظل الثاني هو المأخوذ من المقياس القائم عمودا على الأفق، فهو ثان بالقياس إلى الأول، ويسمى المستوي لاستوائه في الوضع وانطباقه على الأفق، ويسمى المبسوط لانبساطه على سطح الأفق
ما هو ظل الشاعر ؟ يصعب الفصل بين الشاعر وظله كما يصعب الفصل بين الشجرة و ظلها الوارف الممتد المنجد من الحر، المؤدِّي إلى الاستراحة.
ولكن إذا كان الارتباط الحميمي بين الظل والمظل هو نفس الارتباط بين الشعر والشاعر، فلم نفرق عادة في تحقيبنا للشعر وأجياله بين شعراء العراء وشعراء الظل.؟
الظل والعراء هل هو شعر وشعر رغم تأكيدنا على مقولة: الشعر شعر إما أن يكون أو لا يكون؟ إشكالية الظل واللاظل هل هي إشكالية الحداثة واللاحداثة وحتى ما بعد الحداثة ؟
الشاعر هو ظله أي شعره، كلما مال الظل مال الشاعر معه، ظل يستظل بظله، يتناسخ فيه، يتناسل منه، يستطيل باستطالته ويمحي بزواله. ولكن هل يزول الظل ظاهريا ؟ قد يحصل ذلك . ولكن الشعر هو الشاعر، والشاعر لا يموت، والظل يستوي في المخيلة رغم ظلام الليل وظلام النهار.
قد ترفض الحداثة وما بعدها هذا الهذيان باعتباره مجازا وهي تروم الاسترسال، ولكون هذا الهذيان رومانسي التقاسيم وهي فيزيقية الملامح، وهو نظام وهي فوضى، هو متماسك وهي تدعو إلى التفكيك، قاعدة ثابتة في مواجهة أسلوب شخصي. ولكن الظل أيضا أسلوب شخصي فهل هو ابن الحداثة بامتياز ؟
في الظل يتم كل شيء، من تقرير مصير أمة بكاملها، إلى التعاقد على إنتاج نسل في غرف شخصية، على أسرة شخصية جدا بظلال قد تكون حمراء أو لا لون لها، أو بظلال ممتزجة بظلامها. في الظل تحاك المؤامرات وفيه أيضا تعقد مصالحات متسامحة. في الظل ينشأ الحب وفيه يقترف العنف أيضا . تناقضات تحيل إلى تناقضات الشعراء أنفسهم، إلا أنه لا تناقض بين الشاعر وظله، ففي استجواب صحفية إسبانية لشاعر الرسامين "سالفادور دالي" استغربت فيه تناقض كلام الرسام بين جوابه في بداية الحديث، وبين جواب مناقض له في نهايته، ضحك دالي ضحكته المعروفة مشيرا إلى أنه قادر على تغيير رأيه باستمرار تبعا لتغير ظله، ليس تناقضا، ولكنه ظل الشاعر.
لكل شاعر جِنِّي يسكنه هو الذي يقول الشعر بدلا عنه فما هو ظل الجني ؟ الجني لا ظل له لأنه هو نفسه ظل. ففي المتخيل الشعبي نقول: رأيت ظلا أي رأيت جنيا. وفي اللسان: الظل : الخيال من الجن وغيرها لا يُرى . ظل الشاعر هو جنيه، هوسه الذي ينفخ فيه الروح، ولكن الفرق هو أن الجني لا يرى بالعين ولكن بالرؤيا فكيف يمكن ملامسة الظل؟.
الظل كالشاعر، لا معنى له لدرجة يصعب معها تحديد مفهوم واضح الدلالة له، لنجربْ ذلك بصيغة تقريبية انطلاقا مما سبق: الظل هو الانعكاس الذي يتركه جسد ما ـ مادي في الأصل ـ على خارج الذات، انطلاقا من الذات إلى خارجها، في تمازج متلون بحركات الليل والنهار ودوران الشمس والقمر. "والظل هو ما يجعل من الهواء المضيء بالذات كالشمس أو بالغير كالقمر والظل في الحقيقة إنما هو في ظل شعاع الشمس دون الشعاع، فإذا لم يكن ضوء فهو ظلمة وليس بظل. ظلال البحر أمواجه: لأنها ترتفع فتظل السفينة ومن فيها… ومنه عذاب يوم الظلة،وهي سحابة أظلتهم فلجئوا إلى ظلها من شدة الحر فأطبقت عليهم وأهلكتهم .و"يوضع الظل من جهة مقابل الضوء، ومن جهة أخرى فهو صورة للأشياء العابرة غير الواقعية والمتغيرة…… وهو يجسد التعارض الثنائي بين الضوء والظلام، والذي يدل على كل التعارضات الموجودة في كل الأشياء"
إذا اعتبرنا الشاعر كائنا ماديا يقف على الهاوية باستمرار ليتحول إلى كائن جمعي معنوي يتكلم بصوت الجميع، فلن يكون الظل في هاته الحالة سوى التجسيد المادي لصوت هذا الكائن الذي هو الشاعر. صوت ومعنى، كلام وإنصات، تأمل في فراغ اللحظة بهجيرها وقرها إذ إن الظل لا ينتهي بانتهاء الشمس إلا ظاهريا.
بنية الشاعر هي بنية الظل. ظاهر وظاهر يمتحان من باطن هو الشعر، فهل يمكن عقليا أن يحدث تطابق ما بين اللفظ والمعنى؟ في الشعر يتم الاختلاف ومنه يبدأ، وبه تتأسس الحداثة وما بعدها، طبيعة تستند إلى أصل هو خلخلة المعاني بألفاظ أخرى، أي بأشكال أخرى وتأمل مغاير . العمود واحد ومحدود ،والتفعيلة ظل ممتد له، فهل تلغي قصيدة النثر ظل قصيدة التفعيلة؟ لا نستطيع الجزم بجواب قاطع ،لأننا لا نستطيع إثبات أو نفي التطابق بين اللفظ والمعنى. والأجوبة الجاهزة والسريعة في هذا المقام تخرج عن نطاق الشعر لأنها تتعداه إلى البحث في مفهوم ظل الشاعر.
"كان الإغريق يقدمون القرابين للموتى في الساعة الثانية عشرة زوالا لأنها ساعة بدون ظل" ، فمتى يفقد الشعر ظله ؟ لن ننتظر بالتأكيد حلول منتصف النهار تماما ليحصل ذلك، فامتزاج الشاعر بظله أمر حتمي ولو بحلول منتصف النهار، ولو بتقديم القرابين.
قرابين الشعر حياة لا موت، استطالة وامتداد يرمي بجبته على الأفق المرئي وغير المرئي. صورة لأصل، من أجل أصل آخر وصورة أخرى، إذ " لو كان في وسع أحد أن ينتج الأصل وصورته معا، فهل تراه يكرس جهوده لصنع الصور ويتخذ منها غاية قصوى لحياته وكأنه لا يملك ما هو أفضل منها"
حركة الظل تلغي سكون الجماد، فنحن "عندما نتأمل الظلام المخيم خلف العارضة (في بيت ياباني قديم) أو حول مزهرية أو تحت رف ركن، ونحن نعرف أن هذا الظلام ليس سوى ظلالا قليلة جدا، نشعر أن الهواء في هذه الأماكن يتضمن كثافة الصمت وأن سكونا لم يتغير من الأزل يسود هذا الظلام"
الظل صامت يتحرك بمُظِلِّه. الظل المبسوط على الأفق هو الشعر المرتبط بذات الشاعر، هو المحرك بمقياس النور والظلمة والشمس والقمر لخلق الجمال. " إن الجمال ليس في حد ذاته ماهية وإنما هو مجرد رسم ظلال، مجرد لعب على الضوء والظلام يتولد من تجاور ماهيات مختلفة، ومثل حجر فوسفوري يرسل إشعاعا حين يكون في الظلام، ويفقد كل سحره كجوهرة ثمينة حينما يعرض في وضح النهار، فإن الجمال يتلاشى عندما نُلغي تأثيرات الظل .
يمتزج الشعر بالشاعر كما يمتزج الظل بالرجل إذن، " فمنذ أسطورة المغارة التي جعلها أفلاطون أسطورة شهيرة، لم تكف هذه الثنائية بين الرجل وظله، بين الحقيقية ومظاهرها من ملء عالم البشر
العقلي: وعاد "بندار" إلى إثارة المشكلة فيما بعد حين قال: نحن الكائنات المؤقتة ما نحن ؟ وما ليس نحن ؟ إن الإنسان ليس إلا حلم ظل. ألم يقل عمر الخيام:

وهذا العالم الذي نتحرك فيه
شبيه بفانوس مسحور
الشمس هي الضوء والعالم هو الفانوس
ونحن نتحرك أشبه ما نكون بالظلال"

و " ما يعلم من العالم إلا قدر ما يعلم من الظلال ……. ألا ترى الظلال تقرب إلى السواد تشير إلى ما فيه من الخفاء لبعد المناسبة بينهما وبين أشخاص من هي ظل له ؟ وإن كان الشخص أبيض فظله بهذه المثابة، ألا ترى الجبال إذا بعدت عن بصر الناظر تظهر سوداء وقد تكون في أعيانها على غير ما يدركها الحس من اللونية وليس ثَمّ علة إلا البعد
لون الظل يتلون بلون المظل وكذا الشعر " فالنور أخضر لخضرة الزجاج وهذا النور ممتد عن ظل وهو عين الزجاج فهو ظل نوري لصفائه"
الشاعر والظل، ارتباط لوني يذيب حرارة الشمس في اليوم القائظ. امتداد من المعقول إلى المتخيل يُفصل بينهما بشعرة رقيقة لا ترى بأي منظار،… " ألست أنا و أنت مجرد خيال وإذا لم نكن فاعلم أنك خيال وجميع ما تدركه مما تقول فيه ليس أنا خيال . فالوجود كله خيال في خيال . بالخيال وفيه يعيش كل شيء، أي الشعر، من أجل الشعر الذي هو مملكة الشعراء، والملاذ الروحي لكل حي.
لا روح للظل لأنه هو الروح ذاتها، ففي عدد كبير من لغات هنود أمريكا الجنوبية تدل كلمة ظل على الروح الصورة. جسد الظل صورة مرئية لروح لا مرئية، امتداد يمتد مع حركة النور والظلمة مع الشمس والقمر، مع نور المصباح. روح النور هو الظل: روح الإنسان، روح الشعر. ظل الشعر وشعر الظل، ولكن حذار " فالإنسان الذي يبيع روحه للشياطين حسب بعض التقاليد يفقد ظله مما يجعله فاقدا لوجوده الروحي" .
في الموت الظل هو الروح، حين ينتقل الجسد ويفنى، يبقى الظل مرابطا في القبر ليشكل تواصلا مستمرا مع الأحياء ويمكن للروح أن ترجع إلى ظلها حين يفنى الجسد. وفي عالم الموتى لا اقتيات إلا بظل الأشياء .
الظل، الروح، الصورة مسميات متقاطعة يلبس كل منها آخَره، في التصاقها حد الهذيان. في الساعة الثانية عشرة زوالا يتم التوقف قليلا، فيتم الانتقال من الأصل إلى الصورة، انقسام وامتداد من اليمين إلى اليسار أو العكس حسب التواجد، حسب الاقتراب أو الابتعاد من ظل الكعبة، مركز الظلال الرمزية بامتياز، من تعليق القصائد على أستارها، إلى الاستراحة على جنباتها في خطبة يوم قائظ. إذ " لما كانت بلاد العرب في غاية الحرارة وكان عندهم من أعظم أسباب الراحة جعلوه كناية عن الراحة وعليه "السلطان ظل الله في الأرض" الحديث" .
بعض الشعوب تمنع السير على ظل الآخر، بعضها تمنع الأطفال من اللعب به تقديسا لجسد الآخَرِ، الباطن المغيب المتمثل في الظل، تقديس يرتبط بالرؤيا لا بالرؤية .
يفنى الجسد ويبقى الظل، يفنى الشاعر ويبقى الشعر، ظل الشعر هو ظل الشاعر. حقيقة خياله فإن "الخيال لا يعطي أبدا إلا المحسوسات غير ذلك ليس له…و"الظل موجود بلا شك في الحس إذا كان ثم من يظهر فيه ذلك الظل: حتى لو قدرت عدم من يظهر فيه ذلك الظل: كان الظل معقولا غير موجود في الحس بل يكون في ذات الشخص المنسوب إليه الظل" .
الظل يحتاج إلى ذات يقع عليها وإلى نور ينسبه، لا وجود للظل خارج هذا إلا في عالم الموتى، الظل منطقي في هذه الحالة محسوس موجود بغيره، وهو يتحول إلى انتقال تام في انتقال الروح وعودتها"
الصورة، الروح، المرآة، الشعر، خلاص من قيظ الوقت وأغلال التاريخ وتحقيبات المحقبين . راحة واستراحة. يمتد الظل مع النور أسفل النور. لكي ترى ظلك عليك أن تثبت عينيك إلى الأسفل قليلا أو كثيرا، لا وجود للظل في الأعلى، مع نور الشمس لا تستطيع أن تحدق إلا في الظل، أي في ذاتك في روحك في شعرك.
تهرول قليلا فيهرول الظل خلفك، يتقدمك بعد الضحى، يغيب مع غروب الشمس، وإذا ظهر ليلا بفعل أضواء اصطناعية حديثة، فقد يظهر ممسوخا، ظل لظل، صورة لصورة لا صورة لأصل. الشعر: نفس الخصائص في مواجهة نور الشمس، وحتى في مواجهة المعايير الكهربائية الاصطناعية أحيانا.
الظل غير الفيء في العربية، " فالظل ما نسخته الشمس وهو من الطلوع إلى الزوال، والفيء ما نسخ الشمس وهو من الزوال إلى الغروب ، والظل والشعر ارتباط أبدي ليل نهار، لا تفريق فيه بين الصباح والزوال ولا حتى الليل، لأنه يحصل بالرؤيا لا بالرؤية رغم استناده ظاهريا على المعاينة والكشف، ومن ثم فمديح الظل العالي هو مديح للشعر. إن الظل هو الملجأ والمأمن الروحي أولا، وكذا الشعر .
الخيط الفاصل بين مطلع الفجر ومطلع الشمس هو أبهج لحظات ازدهار الظل يقول الآلوسي في تفسيره : المراد بالظل على ما رواه جماعة عن ابن عباس …وغيره..: ما بين طلوع الفجر وطلوع الشمس وذلك أطيب الأوقات فإن الظلمة الخالصة تنفر منها الطباع، تسد النظر، وشعاع الشمس يسخن الجو ويبهر البصر ومن هنا كان ظل الجنة ممدودا كما قال سبحانه: " وظل ممدود "
فالظل استقامة ممتدة ترفض التقسيم، فقد نهى الرسول الكريم أن يقعد بين الظل والشمس( ) ، ونهى أن يجلس بين الضِّحِّ والظل وقال مجلس الشيطان( ). فما عليك إلا أن تقوم إذا كان بعضك في الظل وبعضك في الشمس. لا تقسيم بين الشيطان والإنسان بين الجن والإنس،لأوسلم: مبارك نتحول إليه حين تشتد حرارة الشمس ، وهو لذلك يتخذ ميقاتا لزمن الصلاة .[ عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : هذا جبريل عليه السلام جاءكم بعلمكم دينكم، فصلى الفجر حين طلع الفجر، وصلى الظهر حين زاغت الشمس، ثم صلى العصر حين رأى الظل مثله ..الحديث ]"
زمن الظل مقياس لمقاربة الذات، لتنظيمها وضبطها، ولخلخلتها أيضا. مقارنة طول الظل وطول الجسد تنبيه للشعائر والطقوس الدينية
بين الظل والماء علاقة شفافة، حين تهب عليها الريح تحدث تموجات في جسد الروح، ومع الليل يلبس الظل جسده بروحانية قد لا يدركها حتى العارفون.[ أورد الآلوسي في تفسيره للآية الكريمة : " إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام " ما يلي : عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : يجمع الله تعالى الأولين والآخرين لميقات يوم معلوم قياما شاخصة أبصارهم إلى السماء ينظرون فصل القضاء، وينزل الله تعالى في ظُلَل من الغمام من العرش إلى الكرسي ؛وأخرج ابن جرير وغيره عن عبد الله بن عمر في هذه الآية قال ": يهبط حين يهبط وبينه وبين خلقه سبعون ألف حجاب منها النور والظلمة والماء . فيصوت الماء في تلك العظمة صوتا تنخلع له القلوب" ]
في الظل يجد المريض راحته والمسافر وكل ذي علة، وفيه ترد أرواح الأموات منهم إلى الأجساد وتطيب نفوس الأحياء.
ولكن الشعر وظلاله تستمد رائحتها من الجنة ... الظل ملجأ الناس يوم لا ظل إلا ظله، لا ظل إلا مع الشمس ولذلك لاوجود للظل في الجنة إذ لا شمس فيها .
الشعر عذاب وتعذيب للذات من أجل راحة أكثر، سقوط إلى الهاوية، إلى الجحيم الآن،ي من أجل جنة أفضل، لكي يتم الصعود لابد من نزول …والارتباط بالأرض هو الذي سيؤدي إلى السماء ومن في السماء لا ظل له" .
ميقات الظل نهاري يرتبط بحركة الشمس، ولكنه في الشعر ارتباط بالليل أكثر من غيره، يقول صاحب اللسان: " ظل نهاره يفعل كذا... لا يقال ذلك إلا في النهار لكنه قد سمع في بعض الشعر ظل ليله"
الشعر العربي هو شعر ليلي لا نهاري، لذلك فإن ظل الشعر يظهر في الليل وقد يختفي في النهار على غير المعتاد. الشعر يأتي في ظل الليل أي في ظل الظل. بمعنى أن اختباء الشاعر في مجاز اللغة وابتعاده عن وضوحها الظاهر صوب عوالم الخيال والتخيل، هو شبيه بالتصاق الظل بالجسم ليلا ونهارا، والفرق هو كيفية استغلال اللغة .
لن يكون الظل كذبة الجسد، ولن يكون الشعر كذبة اللغة. فإذا كان الكافر يسجد لغير الله وظله يسجد لله ،فماذا سيفعل الشاعر؟
ظل الشاعر التصاق حد الذوبان إلا أنه قد ينفصل عن جسده في أقصى لحظات اختلال العلاقة بين الضحية وسيدها.
يتجه الشاعر وجهة ما تبعا لبوصلة الوقت، إلا أن ظله قد يضيع بوصلته فيقف أو يعود باحثا عن ظل آخر يؤويه. انزياح وانسلاخ للجلد عن البدن سيؤدي حتما إلى الكارثة، إلى بحر القرابين دون مناسبات، إلى تركيب الأقنعة في غير محلها، أليس الظل قناع الروح أي لباسها الذي لا يمكن أن تنسلخ عنه؟ وحين يحدث ذلك تقع الكارثة في الفكر والعلم والشعر معا . ألوان الظل سوداء تخضر وتحمر في الشعر حسب الحاجة، فما هي حدود الظل ؟ كم طوله وكم عرضه ؟ وما تأثير ذلك على المظل أي الشاعر ؟
قد يتحول الظل من الفيء والأمن إلى الإحراق والذبح. إحراق الشاعر وذبحه إما من أجل الظل نفسه أي من أجل الشعر بكل أبعاده الرمزية كما حصل للحلاج، وإما من أجل شيء آخر لا علاقة له بالشعر، كما يحصل للكثيرين حاليا.
ظل وظل أحدهما ملجأ والآخر محرقة ،وفي كليهما يظل الشاعر نهاره وليله باحثا عن لحظة انفجار، ومحاولة تخلص كمحاولة تخلص السجين من جلاده والضحية عن سيدها. وهذا الالتصاق الذي يذيب كل جزئية في آخرها هو عين ما يرمي له كل كائن بشري سواء كان شاعرا أم ناقدا ...
الظل اقتراب ودنو، والشعر نفي وابتعاد لتعويض الخسارات أو تمجيد نصر وهمي، فهل نستطيع أن نتعرف على الرجل من خلال ظله فقط دون النظر إلى تقاسيم وجهه؟
ظل الشعر وظل الشاعر، صورة وأصل، ظلمة لنور، سواد لبياض، جسد وشبحه، وجه بارز وصورة وجه، في وجه الجسد يتقدم الأنف عادة مقدمة الجسد، سواء كان المشهد مواجهة أو جنبا، فأين الأنف في جسد الظل ؟. لا ظل بلا جسد . الجسد المجدوع الأنف يشكل عيبا أساسيا في بناء الجسد واستقامته فهل يشكلها في جسد الظل؟
في الظل لا نستطيع تحديد ملامح الوجه بالضبط مواجهة كما أننا لا نستطيع أن نرى الأنف مواجهة، قد نلمحه جنبا، ولكن ليس تماما.حركة الجسد وحركة الظل هل هما متساويتان؟ الظل يحاكي الجسد، الظل شعر الجسد أيا كان هذا الجسد، شريطة أن تكون له روح: إنسانية، حيوانية، نباتية، في الظل حركة حتى في الكائنات التي نعتقد أنها جامدة: عمارة، سور، طلل. في الظل روح هي ما يعطي للشعر جماله. " فبعضهم يريد نصا (فنيا ، لوحة) لا ظل له مقطوع الصلة "بالإيديولوجيا السائدة" ولكن ذلك يعني أنهم يريدون نصا لا خصوبة فيه ولا إنتاجية ، نصا عقيما ( انظروا أسطورة المرأة التي لا ظل لها) . إن النص في حاجة إلى ظله : وهذا الظل هو قليل من الإيديولوجيا، قليل من الذات : أشباح ، جيوب، نُثار ، غيوم ضرورية: لا بد للانحراف أن ينتج مفعول تعارضه الخاص ، ضوء/ظلمة"
الظل والجسم هو مقابلة بشكل ما بين الشعر والشاعر، التصاق وامتداد رغم الفصل الظاهر بين الظل والمظل، واحد في كثرة ومتعدد لا ينفصل عن الوحدانية . الظل يدخل في نطاق الواحد الذي يقال على كثرة بالجنس، إذ الظل والجسم من جنس واحد، فإذا قارنا بين الفرس والحمار ، وهما من جنس واحد، جاز لنا أن نقول : إن ظل الحمار هو ظل الفرس بالواحدية التي تدخل في الجنس، وقد يدخل الظل والمظل في نطاق الواحدية بالعدد، الظل والشعر واحد بالعدد في تخريجنا، ثم هو واحد لأنه يدخل على ما شأنه أن ينقسم ، ومنه المتصل " ويقال الواحد على ما هو متصل بما هو متصل، ووحدته هي اتصاله، والمتصل إنما يكون متصلا بأن تنتهي أجزاؤه إلى نهاية واحدة بالعدد مشتركة لها. فإذن لأجل أن نهاية أجزائه واحدة صارت جملته واحدة وذلك في الخط والسطح وفي الجسم المصمت . خط ممتد بين الظل والمظل بين الشعر والشاعر لا فصل بينهما ولا موت لأحدهما إلا في الآخر وحتى في القبر، وبعد الموت يبقى الظل مرتبطا بالروح.
في صحراء قاحلة قد يسير الشاعر وحيدا حافي القدمين، عاري الرأس، قد يتبع سرابا يرميه لآخر إلى ما لا نهاية ….عطش وجوع، اضطرابات في أجهزة الذات بفعل الحر الحرور ، وهو شدة الحر ليل نهار، مسيرة طويلة قد تستغرق ما لا يقاس من السنين، مسيرة طولها هو طول الظل الممدود، والظل الممدود مسيرة بسبعين ألف سنة . قد يقع الشاعر أرضا في مسيرته هاته، لكنه يظل سائرا سير الظل، سير الشعر، مناعته في ذلك هو الظل نفسه، أي الشعر ذاته، به يستظل، هو غمامته ، هو أريكته، هو متكؤه، الذي يستند إليه كلما ضاقت أبواب الدنيا، وحين تضيق الدنيا يزدهر الشعر. ومن التأزم ومع الألم تخرج القصيدة ، وفي الحر الشديد تمتد ظلال أشجار غير مرئية، وتغطي غمائم مارة رأس الشاعر الحافي، وتقي قدميه لهيب رمل الصحراء الحار الحرور.

 

 

 

قراءة محمود درويش: من اختراع الشاعر إلى هوان التأويل

فيصل درّاج
(فلسطين)

محمود درويشثلاث صفات تميز محمود درويش عن غيره: أعار صوته الشعري إلى شعبه، أو استعار شعبه صوته الشعري، إلى أن دخل مع القضية الفلسطينية إلى قران لا انفكاك منه. خلق لقصيدته جمهوراً عربياً حاشداً، كما لو كان الشعر العربي الراهن قد اختصر إلى قصيدته أو يكاد. ظفر باعتراف عالمي أمده بمكانة له لا تحتاج إلى برهان. كان في هذه الصفات الثلاث شاعر القضية التي التزم بها، والشاعر الذي صيّر القضية إلى مجاز شعري، يتجاوز المكان ويمحو الحدود الجغرافية ويتحاور مع قارئ متعدد اللغات. وإذا كان لكل حديث مناسبة فما هي المناسبة التي تستدعي هذا الكلام؟
ظهر أخيرا كتاب أكاديمي الهيئة عنوانه: "التوراتيات في شعر محمود درويش" (من المقاومة إلى التسوية) لاحمد أشقر، كتب له مقدمة ضافية بشار إبراهيم. أراد الكتاب، كما تكشف مقدمته، أن ينجز أهدافا ثلاثة، يختلط فيها الفني بالوطني والفني - الوطني بالإعلان عن الحقيقة: يقصد الهدف الأول إلى تحرير جمهور درويش الشعري من خديعة كبرى تملكته طويلاً، وحان الوقت لتخليصه من براثنها، فهذا الجمهور لا يزال يساوي بين فلسطين وقصيدة الشاعر من دون أن يدرك، لأسباب يجب شرحها، أن درويش خذل قضيته منذ زمن طويل، وان قوله الشعري يرزح تحت ركام من الأقنعة الثقيلة. لا يقصّر الهدف الثاني في خطره عن الهدف الأول، فقد اخذ على عاتقه أنصاف الشعراء الفلسطينيين من غبن فاحش جرّه عليهم الطغيان الدرويشي، الذي وضع داخله حقه الذاتي وحقوق غيره من الشعراء جميعاً. بعد تحرير طرف من الخديعة وتحرير آخر من غبن لا يجوز، يأتي الهدف الثالث الذي يقف على كتفيه الهدفان السابقان وهو: النفاذ إلى قصيدة تشكو من الوهن والاعتلال، فليست الأمور في ظواهرها والمظاهر خادعة، والولوج إلى حقيقة شاعر مفتون بالتراث اليهودي قبل غيره، فليس الالتزام بفلسطين إلا خدعة تحجب نقائض الحقائق الفلسطينية. هكذا يتمفصل الفني والإيديولوجي كما يقول النقّاد، منتهياً، أي التمفصل، إلى مشنقة فقيرة المتاع، تعقبها ارض صخرية شائكة لا تسمح بالقبور.
بيد أن الهاجس العلمي - الوطني يتداعى، منذ البداية، محترقاً بغضبه الملتهب، فهو يصفع المقدمات صفعاً موجعاً، مكتفياً بالنتائج المزمع نشرها، لأنه ينقل النتائج من موقعها المتعارف، نظرياً، عليه إلى الغلاف الخارجي الذي يقول، ما شاءت له الكراهية أن يقول، دفعة واحدة. فعلى الغلاف الأنيق الثلاثي الألوان تقع العين على كاريكاتور الفنان الفلسطيني الكبير الراحل: ناجي العلي، الذي وضع رسماً ذات مرة يقول فيه: "محمود خيبتنا الأخيرة" فإن ارتفع النظر قليلاً وجد العنوان وتحته بالخط الأحمر "من المقاومة إلى التسوية"، إعلانا عن قراءة أخرى تؤسس الخيبة الشعرية على الخيبة السياسية، وتؤسس الخيبتين على حقيقة صاخبة لن تتأخر في الوصول. لكن ذلك لا يكفي، فعلى يسار الغلاف كتابة بالعبرية، أو ما هو قريب منها، تخبر القارئ انه أمام شاعر غير عربي، وإن كان فصيح البيان باللغة العربية. ينسج اللون والكتابة والكاريكاتور لوحة تأخذ بيد القارئ إلى محكمة تفتيش صارمة، تردي الشاعر قتيلاً بالجملة الأولى. هكذا تمحو الكراهية النزيهة متعة المفاجأة، مستبقية نثاراً من الفضول تشبعه المقدمة إلى تخوم البشم. فالمقدمة تقرر من بين الأمور التي تقررها قرارين كبيرين، يمس احدهما منظور الشاعر إلى العالم ويقبض الثاني على ضعفه الأخلاقي. يقول الأول: أن الشاعر يرى إلى "التوراة بصفتها مصدراً للتاريخ، لا أخيولة أدبية فقط، ليمضي في مسيرة الحلول المتبادلة على الأرض ذاتها، في شتات متبادل أيضا، قدري ربما، لا فكاك منه إلا بإرادة (يهوه)...". لا تحجب كلمة اخيولة، وهي جميلة الاشتقاق، أطياف ذلك اليهودي الأصلي، أي درويش، الذي لا يشتق موقفه السياسي من تحولات سياسية، مرفوضة أو مقبولة، بل يشتقها من تراث يهودي هو مصدر إلهامه ومرجعه في القصيدة وخارجها. أما القرار الثاني فيشير إلى الشاعر المخادع، الذي يخدع جمهوره بفطنة دؤوب، فإن آنس خطر الفضيحة سارع إلى إضافة قناع إلى قناع، أو هرع إلى رتق عيب أخذ يتلامح للعيان: "وكلما ظهرت فجوة، كان درويش يسارع إلى ترميمها، سواء بما يكتبه نثراً، أو من خلال ما يدلي به من تصريحات مباشرة...".
انه المخادع الفطن، الذي ينصب شباك الإثم بدراية كبرى، موهماً جموع المغفلين بفلسطينيته، بينما هو، أمام عين النقد المبصرة، شاعر يهودي تنكّر بزي فلسطيني يجيد العربية، ويجيد مع العربية مهارات أشد خطراً.

ولكن ما هي الأطروحات الكبرى التي يبني عليها الكتاب أهدافه الثلاثة الكبرى؟ تأتي الأطروحة الأولى من جهة منظمة التحرير التي عملت، منذ طور ولادتها، على إنتاج رموز ثقافية لامعة، تقايض الولاء بلين العيش، وتبادل نشر الأضاليل بالحماية الوثيرة. كان درويش هو هذا الرمز المستجلب، الذي بحثت عنه المنظمة طويلاً، وأقنعته بالخروج من فلسطين وأمّنت له ما شاء من الطرق والوصول. تجيء الأطروحة الثانية من جهة شاعر ذلول رخو القوام، يبيع وجهه قبل أن يبيع كلماته، كي يبيع لاحقاً مواقف سياسية يهودية الأغراض. كأن الشاعر، كما يشير الكتاب، يشتري من المنظمة المتطامنة بضاعة لا يحتاج إليها، طالما انه ينصاع إلى "يهوه"، الذي يقف فوق الجميع ويلقنهم الكلام. ولأن الأسنان لا تكتمل إلا بالشفتين، وهنا الأطروحة الثالثة، يكون على الشاعر أن يخلق قصيدة مراوغة تخدم منظمة التحرير، التي لا علاقة لها بالتحرير، وتخدم القضية - الأصل، التي ترى في "التوراة" مصدراً للتاريخ ومهداً لـ "الاخيولة الأدبية". هكذا يظهر عارياً معنى لجوء درويش الكثيف إلى الرموز التوراتية، التي تشعل النار بالرموز الكنعانية، ومعنى ذهابه المستمر إلى نصوص الأديان السماوية التي عليها أن تحتكم، لزوماً، إلى نص - أصل هو: التوراة. خطاب نقدي طريف، يطرد مقولات التورية والمجاز والصورة الشعرية ودلالة الإيقاع، مكتفياً بكلمات أخرى هي: التآمر، الخديعة، الاتهام، الكذب، القصاص وصولاً إلى الوعد والوعيد. خطاب غريب يذكر برواية عباس محمود العقاد المتداعية "سارة"، التي كف بعدها عن الكتابة وذهب إلى إسلامياته. الأطروحة الأخيرة طبعاً هي: منظمة التحرير، التي تتجلى نبتاً شيطانياً قوامه المؤامرة، لا بنية سياسية شرعية، تعبّر عن الشعب الفلسطيني، في شكل أو آخر. تدور العلاقات جميعاً في قصدية واعية متكاملة لا تنقصها "الابلسة"، إذ المنظمة تصنع الشاعر الذي تشاء، وإذ الشاعر يصنع الجمهور الذي يشاء، وإذ وراء الشاعر وجمهوره قوة واضحة - غامضة، تقمع العقول وتعمي الإبصار وتروّج القصائد الفاسدة.

يحرّض الكتاب، الذي يقمع الفضول الرصين من الصفحة الأولى، على أسئلة يثيرها الفضول النقدي: يرتبط السؤال الأول بعنوان الكتاب "من المقاومة إلى التسوية"، الذي يجعل من القصيدة موقفاً سياسياً ومن الموقف السياسي قصيدة أخرى. كأن الموقف الواضح في القول السياسي يساوي القول المكشوف في قصيدة شفافة لا عتمة فيها ولا التباس, الأمر الذي يعني، نقدياً، أن درويش شاعر قصيدة رديئة ماسخة الرموز. والسؤال هو: أن كانت القصيدة واهنة رديئة، فما الذي يفسر انتشارها الواسع؟ وهل رداءة الشعر هي معيار شهرته؟ يمس السؤال الثاني الفارق بين الأنا الكاتبة التي لا تستطيع، نظرياً، السيطرة الكلية على ما تكتبه، والأنا الشفهية التي تراصف الكلام الذي تريد. لماذا تساوي الأنا الإبداعية عند درويش أناه الشفهية، خلافاً لما تقول به المبادئ النظرية؟ الجواب ربما لدى الرب "يهوه"، الذي أعطى درويش "ظهراً قوياً"، جعل الايدولوجيا العامة عنده تساوي الايدولوجيا الأدبية الصادرة عن قصيدته، خلافاً لأحوال الشعراء الآخرين. سؤال ثالث لا علاقة له بـ "النبات الشيطاني"، بل له علاقة بالإبداع والمسؤولية الإبداعية: أليس من النباهة الكبرى أن يتعرف محمود درويش على موروث عدوه الديني والأدبي وان يدرج هذا الموروث في شعره، كي يوسع أفق قصيدته الفني، من ناحية، ويحسن التوجه إلى العدو الذي ينازع أرضه، من ناحية ثانية؟ يمكن أن يصاغ السؤال في شكل آخر اعتماداً على موروث نظري عريض، يمتد من غرامشي إلى التوسير وصولاً إلى بورديو، يقول: تشكل الرأسمالية علاقة داخلية واسعة في كل خطاب نظري معاد لها، طالما أن في جوهر الرأسمالية ما يفرز هذا العداء ويحض عليه. فلا يستطيع المقهور أن يصوغ خطاباً فاعلاً إذا رمى بقاهره خارج مرمى البصر.

لم يشأ درويش، الذي يتقن العبرية، أن يطمئن إلى نعمة الكسل، فأضاف إلى الموروث العربي والإسلامي والمسيحي والتنويري موروثاً يهودياً، عارفاً بأن خصب القصيدة يأتي من تعددية العناصر التي تصوغها، وبأن هوية ثقافية أحادية العنصر تنهزم أمام خصمها قبل أن تنازله. سؤال آخر ذو علاقة بانتقال درويش من مقولة العدو إلى مقولة الخصم فمقولة الإنسان: لا وجود لأدب حقيقي، شعراً كان أو رواية، لا يتوجه إلى الإنسان من حيث هو، مدافعاً، في شكل ضمني أو صريح، عن القيم الإنسانية العليا، التي تفضح عنصرية المستبدين وهوسهم بمراتب الأجناس البشرية. كلمة أخيرة عن خطاب إيديولوجي - سياسي فلسطيني مرغوب، قوامه المفترض ما يأتي: لا يجوز لطرف ضعيف أن يخوض صراعه بأدوات عدوه وطرقه، ذلك انه عليه أن يميّز حقه بمعايير وقيم وأساليب لا يأخذ بها عدوه.

لا تدور الكلمات السابقة حول النقد والاختلاف، ولا تكترث بتقديس البشر ولا تقبل به. فمن حق كل إنسان أن يتفق مع محمود درويش أو أن يختلف معه. والأمر كله في الفارق بين النقد والهجاء، أو بين النقد والإعدام، ذلك أن أسلوب النقد يقترن بمبادئ الأخلاق قبل التعاريف النقدية المدرسية، وهي ملقاة على قارعة الطريق على أية حال. وواقع الأمر أن كتاب "التوراتيات في شعر محمود درويش" اختزل محمود درويش مرتين: مرة أولى من الشاعر إلى السياسي وحكم عليه بالخيانة والإعدام، ومرة ثانية من الشاعر - السياسي إلى منظمة التحرير، وألقى بالطرفين إلى كهوف "يهوه" الغامضة. والاختزال في شكليه لا يجوز، ذلك أن إبداع درويش الشعري جدير بدراسة أخرى، مثلما أن منظمة التحرير خليقة بمقاربة مغايرة. فليس محمود مجاز المنظمة، وليست المنظمة مجازاً شعرياً بسيط الحروف. هناك دائماً سطوة البداهة، العادلة على رغم استبدادها، والتي تأمر باحترام المبدع الذي تعارف الناس على احترام إبداعه.
يقول محمود درويش في حوار معه: "يوجد جمهور في داخلي، وأنا بدوري جمهور. وللحقيقة وجوهها المتعددة. وحتى خصوم الحقيقة لهم الحق في أن يعبروا عن أنفسهم، فأنا لست ملكاً على الحقيقة، والتناقضات الداخلية هي بدورها أثر للتناقضات الخارجية التي تحيط بي في هذا العالم. ومن وجهة نظر أدبية، فإن الحوار يتيح للقصيدة أن تحمل جزءاً من العبء، الذي لا تستطيع حمله وحدها". بين النقد والاتهام مسافة، وبين النقد والحقيقة مسافة أخرى، وهناك مسافة شاسعة تفصل الحقيقة النسبية عن ذلك العلم النقدي العجيب، الذي يدعى: علم الكراهية.

الحياة - 14/06/05

 

 

ظاهرة غريبة اسمها محمود درويش

زياد خداش
(فلسطين)

محمود درويشفي كل مرة أغادر فيها أمسية لمحمود درويش متجها نحو بيتي، اشعر ان الليل ليس هو الليل، وان الهواء ليس هو الهواء، وان الكتابة ليست هي الكتابة، لكن ما حدث معي ليلة أمسية الخميس الماضي6-4 في قصر الثقافة برام الله، لم يكن يشبه ما اعتدت على إحساسه، لقد حدثت أشياء غريبة تلك الليلة، محمود درويش الظاهرة الغريبة التي لا نمل منها، مرض صدره الخفيف <قلت في سري : أيها المرض توزع فينا وابتعد عن محمود>، تعليقاته السريعة والأنيقة بين القصيدة والأخرى، التي تشبه مداخل و هواجس لقصائد جديدة، زيارة الرئيس المفاجئة والتي أسالت الدمع الصامت من عيني، وجود رجل امن شهير في القاعة مبتسما و مصغيا للشعر، الحشود الهادئة التي تدفقت على البوابة نساء ورجالا، وحتى أطفالا، طوابير السيارات التي اصطفت على المدخل، القطة المتوحشة ذات العينين الزرقاوين التي نهشت رتابة روحي في عتمة القصر النحيلة وداعبت خصلاتها عزلة أذني وهي تهمس: زياد خداش: نحن نحبك الموسيقى التي غنت أجسادنا، ورقصت روحنا، جنة العطور النسائية التي غرقت فيها، خلفي وحولي وأمامي،المرأة الشقراء، شديدة الجمال، عنيفة الأنوثة التي كانت تجلس أمامي متحمسة ومنفعلة، كنت قد صادفتها في احد المحال تسأل عن آخر أغنيات نانسي عجرم، عودتي إلى البيت ليلا، مشيا على الأقدام، عبر جبال سردا ووديان الجلزون، مصحوبا بأشباح جنود أو أصوات كلاب أو ظلال أشجار أو بيوت أو لهاث لصوص، ما الذي حدث لي تلك الليلة يا محمود درويش؟ ما الذي فعتله بي؟ في كل مرة اسمع فيها شعرك بصوتك، افرح، افرح فرحا غير عادي، فصوتك يعطي شعرك طابعا سماويا، وطعم تلال منصوبة، بإصرار ومكر في وجه الزمن الذي يريد ان يسوي الأرض بجرافته، صوتك وأنت تتغزل بالنساء الطويلات والقصيرات، يفرح حتى الشهداء في قبورهم، لماذا تصفق بقوة تلك المرأة الشقراء التي أمامي؟، يا سيدة: الست أنت من سألت قبل أيام عن آخر أغنيات نانسي عجرم في المحل الفاخر، نانسي ليست هنا، هي في القاعة المجاورة لا تسمعني المرأة، تبتسم، وسط صخب الأكف المحمومة، تعتقد أني أتغزل بها، وفجأة اسمع صوتا بداخلي يقول : لماذا أنت حانق هكذا، إلا يدل وجود المرأة هنا إلى عظمة شعر درويش الذي يسحب الأذواق الفاسدة، يكررها، يطهرها ويخطفها، يرحلها إلى جمالها الضائع، لم يكن احد يعرف ان الرئيس أبو مازن سوف يأتي، لم يكن احد يتوقع، فأبو مازن مشغول بأوضاع البلد غير المستقرة، ولكن قصيدتك أحضرته يا محمود درويش، جميلا وأنيقا استجاب الرئيس إلى نداء العشب والغيم فيه، مر الرئيس بجانبي بهدوء، يتحسس طريقه بلا حراس، هابطا نحو القصيدة، نحوك يا محمود، وأخيرا يأتـي السياسي، مبتسما لا متشنجا و معترفا بعظمة الثقافي، يجلس مستمعا لصوت الحلم، صوت الخلود، قطة متوحشة بعينين زرقاوين، وشعر اسود وخارج لتوه من معركة حب شرسة مع الماء، تجلس بالقرب مني على درج القصر، يسلم احد علي ذاكرا اسمي، فتندهش القطة: أنت زياد خداش؟ نحن نحبك، فأقول لها شبه غائب عن الوعي بتأثير صوت درويش ووجود الرئيس، ورقص العطور: أنا أحبكم أيضا، لم أكن اعرفها، لكني رأيت فيها الوطن والشعر والأنوثة، هذا الثالوث يسحرني حين يلتقي، وأصبح فجأة طفلا، يبحث عن لعبة ألوان يلطخ بها نظام الأشياء ووجهها، وهكذا كنت في أمسية درويش الأخيرة، كان كل شيء يختلط بكل شيء فيما يشبه كرنفال احتفالي حلمي في رأس نمر متقاعد، النساء والشعر والرئيس والشهداء، والعالم والموت، والقصر والقطط، والعطور، وشهقات الأجساد المتعرقة، والموسيقى. عائدا إلى البيت، أتعثر بالصخور والشوك والظلام، يرن صوت درويش العظيم في روحي وهو يقول: فانتظرها فانتظرها، في الصباح، سوف اذهب إلى المدرسة، وفي الخمس دقائق بين الحصص المخصصة لراحة المعلمين، سوف اركض إلى الأعمال الكاملة لمحمود، زملائي سوف يشربون القهوة ويدخنون متكئين بكآبة فظيعة على حواف النوافذ، ينظرون للبعيد، البعيد عن رتابة الصفوف وتكرار الدروس، أنا لا أدخن ولا اشرب القهوة، غريب هذا المعلم، لا قهوة لا دخان، كيف يعيش،؟؟ سأقول لكم كيف يعيش: صفحة واحدة من شعر محمود درويش كل يوم، أغنية لفيروز، التسبب في ضحكة طفل في الطريق، نص ليلي أنزفه باكيا أو راقصا، شهقة عنق صديقتي بين يدي
هكذا أعيش، لا احتاج القهوة ولا الدخان، فكل أشجار البن في روح درويش، وكل دخان العالم في شعر درويش، محمود ظاهرة غير معتادة، لا يسمح لأحد ان يعتاده، فالعادة تولد النسيان وتشبه الموت، يفاجئنا كل يوم، بطريق التفافية جديدة نحو جمالنا، ورشاقتنا، هو رسول ينابيعنا وروعتنا وفضائحنا الجميلة وأخطائنا الرائعة،

حبيبي محمود، لا استطيع التفريق بينك وبين نشيدنا الوطني، فحين ينشد طلاب مدرستي النشيد الوطني أراك تتحرك راقصا في حناجرهم بوجهك الفلسطيني جدا والكوني جدا، يصعب على جدا ان أفصلك عن فكرة الحرية والاستقلال،
فحين يسقط شهيد، أراك تغني على تلة وجهه، وترسم غيمة، كيف يمكن فصلك عن حدودنا الوطنية، عن مياهنا الإقليمية عن انطلاقة ثورتنا؟؟، عن ألوان علمنا،؟؟ أنت اللون الخامس، أنت اللون الخامس، فكن دائما بخير، كن بخير،

ziadkhadash@hotmail.com

 

 

 

 

الاختيارات الشفوية والجمالية في شعر محمود درويش

صلاح بوسريف

1

صلاح بوسريفمنذ ديوان "أحد عشر كوكبا" شدني محمود رويش إلى شعره أكثر.
قبلُ، كنتُ أقرأ بعض أعماله بشكل مُتقطع. لم أكن أذهبُ الى أعماله كاملَة، بل كنتُ أبحث عن بعض مايجعلني أطمئن لشعرية النص، ولاختياراته الجمالية التي كانت تَحجُبها طبقة سميكة فرضَت اللحظة التاريخية وجودَها بالشكل الذي حدثت به .

هذه العلاقة المتقطعة بشعر محمود جعلتني مشوشَ الرؤية، وحين يَتمُّ الحديث عن شعره فأنا لم أكن أملك رأيا أو صورة واضحة عنه، أو لم أكن أطمئن، بالأحرى، لهذا الوجود الملبد لمعنى جعل النص يحجُبُ ويُخفي فتنَهُ. سأدرِك فيما بعد وخصوصا منذ شُروعي في العمل في أطروحتي حول "الكتابة" L'écriture في الشعر العربي المعاصر، أن الشفاهي كان أحد أقوى تلك الطبقات التي كانت تحجُب عني شعرية المكتوب في شعر محمود درويش، وفي شعر غيره ممن كانوا يحتكمون في مفهومهم للإيقاع الى البُعد الشفاهي. أعني الإلقاء والإنشاد الشيء الذي جعل نصوصهم، في مرحلة ما، تظل مُقيمة في القصيدة لاتبرحُها .

لعلَّ محمود نفسه أدرك هذا البعد في تجربته، وحرص أكثر من غيره على وعْي الكتابة في شعره كشرط شعري يحمي النص من "القصيدة"، هذا المفهوم المُلبد بالتباساته، ليجعله أكثر استجابة للشعر في جمعه وكُليته. فالإيقاع عنده لم يعد مٌُجرد وزن كما أن اللغة لم تعد نثرا وشعرا، هكذا! بل أصبحت لُغة يمكن استثمارُها تركيبا ودلالة، دون وضع جُدران فاصلة بين مايجوز ومالايجوز. أو كما يقول درويش في أحد حواراته "الشعر هو الذي يُعيد الحياة الى اللغة" 1)

وليست اللغة هي مايمنح الحياة للشعر في هذا النوع من الوعي، وفي المفهوم الجديد للإيقاع، كما تُعبِّر عنه الكتابات الاخيرة لمحمود درويش بدأ النص يحيل الى الكتابة، ويبني شِعريته من خلال المكتوب، وليس بما هو شفاهي. أداة وتصورا وبناء أيضا .

يقول محمود في نفس الحوار "لاأفكر في أي قارئ في لحظة الكتابة. عندما أكتب، أعطي لنفسي حق التعبير الذاتي بشكل مطلق لا رقابة عليه من أي اعتبار غير اعتبارات الكتابة المحضة". ورغم تأكيد محمود على الجانب الشفاهي او الإنشاد كما يُسميه ك "خيار" يحكم التوجه "الموسيقي" او الايقاعي، فإن الشفاهي في مثل هذا الوضع قد يصيرُ أحد مكونات النص المكتوب وليس العُنصر المُهيمنَ، أو الشرط الجمالي المتحكم في النص بخلاف ماكان يحدث في "القصائد" السابقة للشاعر ذاته .
 

2

أصبحت علاقتي بشعر محمود درويش، منذ "أحد عشر كوكبا تحديدا، علاقة قراءة متواصلة، وانتظارا لما سيقدم عليه محمود في تجارب أخرى، من اختراقات Transgressions. وهذا ما تأكد لي بالملموس في آخر ديوان صدر له "لاتعتذر عما فعلت" فمحمود في هذا الديوان (من التدوين والكتابة) ضاعف من حضور الكتابي، في تجربته، رغم ان التوزيع الخطي Graphique على الصفحة، او علاقة محمود بالصفحة، ظلت هي نفسُها حيث حَرص على السير الخطي للنص في نفس الاتجاه وظلت الصفحة امتدادا خطيا عموديا، فيlh ينتفي التوزيع الأفقي كلية، سواء في هذا الديوان، أو في غيره، أنظر "الجدارية" و"حالة حصار" مثلا (2)

ثمة نوع من الحذر مازال يطبع رؤية درويش ومفهومه للشعر. فهو في اعتقادي مازال ممسكا ببعض خيوط "القصيدة"، ومازال، في اختراقاته المنجزة لحد الآن، يسير بخطى من لايطمئن لطبيعة التربة التي يسير عليها، أو بالأحرى يسعى، من خلال بعض هذه الاختراقات، لاختبار ردود الفعل تجاه مايقدم عليه. ولعل في ديوان "لماذا تركت الحصان وحيدا" مايكشف بعض هذا التردد. وأذكر بهذا الصدد، في إحدى الندوات التي نظمت في المغرب، حول تجربة محمود درويش، ونشرت بأحد أعداد مجلة "آفاق" المغربية، أنني توقفت، في ملاحظاتي وأسئلتي، مع محمود درويش حول هذا الديوان تحديدا، وأشرت الى طبيعة التركيب النثري لنصوص الديوان أو لنثرية شعريتها بالاحرى، رغم أن النصوص موزونة وموقعة (3)، فكان جواب محمود لي، أن هذا بالفعل متحقق في الديوان الى درجة أن ناقدا عربيا كتب أو قال ان الديوان "قصائد نثر ."

وهذا معناه ان هذا الناقد لم ينتبه الى طبيعة المطب الذي كان محمود يجر قارئه اليه. ففي تجربة "لماذا تركت الحصان وحيدا" يظهر هذا النوع من الحذر او الاختراق الحذر. ففيما تعمل الجُملة على كسر النسق التقليدي أو "العمودي" لبناء شعرية الجُملة او "البيت" في الشعر العربي القديم، وحتى ماسميَ ب "الشعر الحر"، فإن محمود يجعل الوزن يترسَّبُ في قاع النص، لايدرَك بداهة، بل يحتاج الى وعي شرطه الكتابي أولا، ثم وضع النص، قراءة، في شرط اختراقه الذي لم يعد يضع الوزن كشرط أو كدال اكبر Signifiant majeur في تمديد شعرية النص، وهذافي تصورنا ما يوسع مفهوم الايقاع ويجعله لايُدرك كميا، بل يُدرك نصيا، أي في ماهو كلي (4)

3

في لحظة من لحظات "لاتعتذر عما فعلت" يتبدّى وعي محمود بالقصيدة كمأزق. أو كشرط جمالي يعود إلى الماضي أو هي بالأحرى لحظة التباس في ممارسة الكتابة في الشعر العربي المعاصر. يقول محمود

"......................................فالقصيدة،

زوجة الغد وابنة الماضي، تخيّم في مكان غامض بين الكتابة والكلام" (ص 96)

تكشف هذه اللحظة في تصوّرنا، عن الوعي الذي أصبح محمود يشترط به كتابه الشعرية. فـ"جماهيرية" النص ستنتفي، وسيُصبح "الغامض" بالمعنى المحدد في النص، أحد ما يُميز كتابة محمود. لم يعد النص في وضع القصيدة، يُقدّم نفسه للمتلقي كخطاب عار، يفضح معناه ويقوله دون حجاب، بل اختار موقع الانكتاب (4)، وهذا ما سيجعل محمود ربما، يجعل من الذّات شرط وجود في النص. وهي هنا ليست ذاتا نرجسية مفردة، فهي ذات تتقاطع مع آخرها، ومن خلاله تبدو شفّافة، تقول جرْحها حيث الألم، كما في الـ"جدارية" مثلا يصير تراجيدا لاتخص قلبا أوشك أو كاد أن يوقف نبضه، بل تراجيدا نبض مافتئ يزاول خفقانه رغم كل حالات الموت أو القتل التي داهمته .

فالذّات، في مختلف تقاطعاتها، أصبحت شرطا شعريا بامتياز، وهي أحد الاختراقات الكبرى التي أقدم عليها محمود درويش في تجاربه الأخيرة.

فحتى في ديوانه أحد عشر كوكبا "فالذّات تتحول إل مرآة، في مائها تتكشّف تلك الجراحات الأخرى البعيدة التي كانت تراجيديا، مازالت تكوّر حضورها، وكأنّ التاريخ لم يبدأ بعدُ

 

4

في لحظات كثيرة من ديوان "لاتعتذر عمّا فعلت "يُحوّل النص مجرى شعريته، ويمارسها بطريقةٍ مغايرة لما حدث من قبل. وهنا أريد أن أتساءل، كيف يمكن لـ"جمهور" محمود درويش. أقصد مُستمعه في لحظة الإنشاد، أن يتجاوب مع مثل هذا النّوع من النصوص المكتوبة. أي المكتوبة بوعي كتابي وليس بالوعي الشّفاهي الذي حكم التجارب السابقة التي كانت تحرص على توفير هذا الشرط أو هذا النّوع من الوعي الشعري السّابق .

رغم ما أبداه محمود في حواره الأخير المنشور بجريدتي "الاتحاد الاشتراكي" المغربية وجريدة "القدس العربي"، من تبادل يحدث بينه وبين "الناس"، و"إعادة إنتاج وكتابة النص بشكل احتفالي أو مسرحي"، فأنا لا أتصوّر أن نصوص "لاتعتذر عمّا فعلت" وهي مُوغلة في كتابيتها تستطيع أن تكون "أداة" تبادلٍ، أو "احتفال" بين الشاعر وجمهوره. فهذه النصوص، هي من نوع النصوص التي تستدعي القراءة المفردة، الهادِئة، والمتأمّلة، لأنها في هذا الوضع وحْده تستطيع أن تكشف عن شعريتها، أو عن شعرياتها إذا شئنا، لأن لحظة الإنشاء تضيع فيها كثير من اختيارات النص وتتلاشى، بعكس ما يحدث في حالة القراءة المُفردة .

5

إن ديوان محمود هذا، وما سبقه من دواوين، بدءًا من "أحد عشر كوكبا" كما أرى، ينخرط كليا في الشرط الكتابي، وهو ممارسة كتابية في بنياته واختياراته اللغوية والإيقاعية، رغم أن وضع الصفحة، وهو أحد شروط الوعي الكتابي، مازالت خطّيا تمارس وجودها عموديا، ولم تستثمر بعد إمكاناتها الأفقية، أو لم تستثمر فضاءَها كاملا كما يحدث اليوم في الممارسة الكتابية في الشعر العالمي كاملا .

فكتابية هذا الديوان، في عموديتها، تضع الديوان في أفق حداثة باتت تعلن عن ذاتها في الممارسة الشعرية العربية المُعاصرة، حيث النص شرع في تخفيف ذاته من ثقل القصيدة، ومن طبقاتها التي مازالت تُلبِّد كثيرا من التجارب الشعرية في الشعر العربي المُعاصر، غير واعية بالكتابة كشرط جمالي، وكاختيار يجعل النص أكثر التصاقا بزمانه وليس كتابةً أو نوعا من الرّسم الخطِّي الذي ينتفي فيه الوعي الكتابي، أو يصير نوعا من نقل اللّسان إلى خطوط لاتُمارس كتابيتها بناءً وتصوّرا .

العلم الثقافي ـ المغرب .